FINANCIAL TIMES

هل يمكن وقف هيمنة تكنولوجيا الصين؟ .. فات الأوان

في يوم ما، ربما يتم تمجيد تلك اللحظة في فن الدعاية. بعد أن انقشع الضباب من على نهر يانجتسي، وقف تشي جين بينج، الرئيس الصيني، من أعلى سد المضايق الثلاثة الذي يزود البلاد بالطاقة الكهرمائية في ييتشانج، وهو رمز اعتزاز للبراعة الهندسية، وأعلن أن الصين ستشق طريقها لتصبح قوة عظمى في مجال التكنولوجيا.
كان جمهور الرئيس الصيني المباشر في نيسان (أبريل) الماضي، مجموعة من العمال المبتسمين ممن يرتدون رداء العمل الأزرق، لكن ملاحظاته كانت موجهة إلى البيت الأبيض، الذي كانت تتصاعد منه دمدمات شن حرب تجارية على الصين.
قال تشي "في الماضي، قمنا بشد الأحزمة، وضغطنا على أنفسنا، وقمنا ببناء القنبلتين "الذرية والهيدروجينية" وقمر صناعي. في الخطوة التالية من التصدي للتكنولوجيا، يجب علينا تنحية الأوهام جانبا والاعتماد على أنفسنا".
مثل هذا الخطاب المقدم من قبل أقوى زعيم صيني منذ ماو تسي تونج يحمل أهمية حاسمة، لكن كتعبير مجازي مرئي فإن سد المضائق الثلاثة له دلالة أكبر مما كان تشي مستعدا للاعتراف به.
على الرغم من أن جدران السد كانت مبنية من قبل شركات صينية، إلا أن المولدات التي تقوم بتوليد الطاقة الكهربائية للسد كان مصدرها – على الأقل في البداية – شركات أجنبية.
هذا التناقض يحمل في طياته معضلة الصين، في الوقت الذي تعزز فيه مستوى الأجندة القومية-التكنولوجية.
برنامجها الرسمي "صنع في الصين 2025" يطالب بقيادة عالمية في مختلف القطاعات التكنولوجية بحلول عام 2025، لكن تقدمها في مجال سلم القيمة المضافة اعتمد – إلى حد كبير – على التكنولوجيات والملكية الفكرية الأجنبية.
لذلك، من المقرر أن تكون استجابة الصين للحرب التجارية محسوبة بدقة. يجري إعلام الشركات الصينية من قبل بكين بأن تعمد إلى خفض اعتمادها على التكنولوجيا والملكية الفكرية الأمريكية في سلاسل الإمداد لديها، على أن تتم الاستعاضة عنها حيثما أمكن ببدائل من أوروبا واليابان وكوريا وتايوان وبلدان أخرى.
قال أحد كبار المسؤولين في لجنة الرقابة وإدارة أصول الدولة، "إن الشركة الصينية القابضة التي وصل إجمالي إيراداتها للعام الماضي 26.4 تريليون رنمينبي "3.8 تريليون دولار": "الولايات المتحدة أساسا شريك اقتصادي لا يمكن الاعتماد عليه. إن الاعتماد عليها لا ينطوي سوى على مخاطر فوق الحد".
هل بإمكان الصين حقيقة العيش من دون أمريكا؟ يبدو أن الإجابة المقدمة من الأسواق المالية هي "لا"، كما يتجلى في تراجع قيمة الرنمينبي مقابل الدولار، والانخفاض المتزامن في أسعار الأسهم في شنغهاي.
غير أنه على المدى الأطول أجلا، يبدو من المحتمل أن تكون للصين السيادة من خلال مجالين مهمين:
لربما ستصبح قادرة على التخلص من مخاطر سلسلة التوريد لديها من خلال خفض اعتمادها على الواردات الأمريكية، على الرغم من الصعوبات في مجالات مهمة مثل أشباه الموصلات.
ولربما تتمكن أيضا من تحقيق هدفها المتمثل في التميز العالمي في قطاعات التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، ووسائل الاتصال للجيل الخامس، والتحول إلى شبكة الإنترنت، والسيارات ذاتية القيادة وتكنولوجيا البطاريات بحلول عام 2025.
ثمة نقطة واحدة تأتي في مصلحة الصين وهي أنه ربما يجري تطبيق الأنشطة المنافية للمخاطر على الواردات من الولايات المتحدة، وليس على المكونات التي يجري تصنيعها من قبل شركات أمريكية في الصين.
وهذا عامل مهم: حيث بلغت قيمة المنتجات التي قامت الشركات الأمريكية بصناعتها وبيعها في الصين نحو 250 مليار دولار العام الماضي، أي نحو ضعف المنتجات المستوردة من أمريكا التي بلغت قيمتها 130 مليار دولار.
الاعتبار الآخر هو سهولة الحصول على بدائل لمنتجات التكنولوجيا الأمريكية. تتوصل البحوث التي أجريت من قبل شركة هايتونج الصينية للأوراق المالية، إلى أنه في ثمانية قطاعات من أصل 11 قطاعا للتكنولوجيا، تتجاوز في آسيا مبيعات المنتجات المصنعة في الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا وتايوان، مبيعات المنتجات المصنعة في الولايات المتحدة. القطاعات الثلاثة التي تحظى فيها الولايات المتحدة بالسيطرة الواضحة هي أشباه الموصلات، ومعدات أشباه الموصلات، والفضاء والطيران.
بالتالي فإن صناعة أشباه الموصلات هي نقطة الضعف في التنافس التكنولوجي الصيني الأمريكي. تجلى ضعف الصين بكل وضوح في نيسان (أبريل) الماضي، عندما حظرت الولايات المتحدة على شركة زي تي إي، شركة اتصالات صينية، شراء أشباه الموصلات الأمريكية وغيرها من التكنولوجيا لمدة سبع سنوات.
أدت تلك العقوبات إلى تركيع الشركة، قبل أن تقدم واشنطن للشركة مهلة مؤقتة لوقف التنفيذ.
مع ذلك، فإن صناعة أشباه الموصلات هي أيضا المجال الذي تتجلى فيه طموحات الصين بشكل أوضح. من جزء من المبلغ المكرس للمساعدة في تحقيق شعار "صنع في الصين 2025" الذي يصل إلى 300 مليار دولار، يجري تخصيص 150 مليار دولار لتحديث قدرة الصين على إنتاج أشباه الموصلات، وفقا لدان وانج من مجموعة جافيكال للبحوث.
وحتى في مجال أشباه الموصلات، فإن قدرة الولايات المتحدة على الضغط على رقبة خصومها هي أبعد من أن تكون تامة. لو كان قد تم تطبيق العقوبات المفروضة على شركة زي تي إي على منافستها الصينية، هواوي، لكان من السهل احتواء الدمار والأضرار الحاصلة.
تصمم شركة هواوي الرقائق الخاصة بها من خلال شركة تابعة مملوكة لها بالكامل تدعى "هاي سيليكون"، التي تصنف بأنها سابع أكبر شركة لتصميم الرقائق في العالم.
كذلك فإن سجل الصين يبرز حماقة المراهنة ضد حماستها للتحديث. قبل عقد من الزمن، قلة من الناس هي التي كانت تتوقع الهيمنة العالمية في مجال الهواتف الذكية.
إلا أنه في السنة الماضية، كانت شركات من شاكلة هواوي وأوبو وفيفو تشكل 43 في المائة من مبيعات الهواتف الذكية في العالم، بحيث طغت على شركة أبل في الولايات المتحدة وشركة سامسونج في كوريا.
يبدو من الواضح أنه في حين إن المعارضة الأمريكية ستجعل صعود الصين على سلم التكنولوجيا أبطأ من قبل وأكثر إيلاما، إلا أن الصين ستستمر في صعودها.
لعل قصة سد المضائق الثلاثة تشير بالتأكيد – رغم الدلائل على عكس ذلك – نحو الطريق. ذلك أنه على الرغم من أن التوربينات الأولى في السد تم تزويدها من قبل شركات معدات الكهرباء الأوروبية والأمريكية، إلا أن شركتي تصنيع صينيتين رفعتا مستوى اللعبة بسرعة تكفي للمشاركة في المراحل المتأخرة من المشروع.
في مؤشر قوي آخر، فإن شركتين من الصين هما هاربين لمعدات الكهرباء ودونجفانج للمعدات الكهربائية تنافس الآن الشركات المنافسة الأوروبية والأمريكية في بلدان أخرى، بل وتنجح مراراً في خطف فرص الأعمال منها.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES