كم سقط سهوا منك؟

|
هل سألت نفسك يوما: "كم سقط سهوا منك؟"، فكرة أن تقوم بفعل "عطاء غيرك" دون قيد أو شرط، ودون أن تطلب أي مقابل لعطائك، تلك الفكرة الغائبة عن أغلبنا إلا من عصم الله؛ التي تقفز بك فوق ماديات العصر الراهن، وتحلق بك في سماء خالية تماما من الفروق والاختلافات بين البشر. والعطاء المنشود هنا ليس "المال" فقط - كما قد يظن كثيرون - بل هو أوسع مما يمكن أن يتصوره أي منا، فقد يكون مالا أو وقتا أو جهدا أو موقفا أو حتى كلمة أو ابتسامة تبعث الأمل في نفس متلقيها، بل قد تصل حتى إلى جبر خاطر أحدهم بكلمة معروف أو مواساة، في وقت عز على المعطي امتلاكه أي شكل من أشكال العطاء المادي. لقد أخذ "الرتم" المتسارع لعصرنا الراهن من أغلبنا - إن لم يكن كلنا - أكثر مما أعطانا، وأصبح المرء يسابق الزمن نحو الفوز بـ "جزرة" المادة هربا من "عصاها"، وشيئا فشيئا لا يدرك المرء أنه فقد أكثر مما ربح، إلا بعد فوات الأوان. قد تحقق كثيرا من حصد مكاسب الدنيا وأرباحها الطائلة، أو أقل أو أكثر من ذلك، إنما في الوقت ذاته ما أَمَرّ أن تكتشف في الوقت الضائع، أن جني تلك المكاسب قد جاء على حساب ما لا يمكن تعويضه أبدا، إما عمرا كان لا بد من تخصيصه لعبادات فاتت، أو عمرا آخر كان لا بد من قضائه مع الوالدين والأبناء والأسرة، أو عمرا كان لا بد من منحه أحبة وأعزاء طواهم الزمن طي الكتب، وغيره كثير من عمرك المحدود في هذه الدنيا، اكتشفت مع اقتراب الرحلة الدنيوية أن الركض اللاهث خلف حطام الدنيا قد سرق منك - دون أن تشعر - هبات لا تُقدَّر بثمن، ولا تُعوَّض إذا فُقِدت. حينما تصل إلى قمة الجبل وحيدا، ثم لا تسمع إلا صرير رياح القمة، فستجد أنك أمام سؤال: هل كان تسلق الجبل بهذه السرعة وحيدا يستحق العناء؟ نعم، للطموح والبحث عن النجاح والتميز، لكن يجب ألا يكون أي من ذلك على حساب ما لا يمكن تعويضه أبدا. رأينا عديدا من الأثرياء رحلوا مخلفين وراءهم ثروات طائلة لمن بعدهم، لكن حرموهم في حياتهم من كثير من النعم، منها قضاء العمر والوقت مع الأبناء، ومنها قضاء الجهد اللازم لغرس التربية والحب وكثير من القيم التي لا تأتي أبدا بالمال، بل قد يكونون حتى حرموا ورثتهم متعة التصرف في المال الذي أفاءه الله عليهم أثناء حياتهم، فلا تراهم بعد وفاة الآباء إلا بذخوا أيما بذخ بالأموال إلى أقصى حدود الإسراف، وقِس إلى ذلك كثيرا من الأمثلة، فليس حصرا هنا أن تكون العبرة ببعض الأثرياء، فقد تكون العبرة أيضا ببعض من أفنى عمره خلف الوصول إلى منصب مرموق والمحافظة عليه، أو أي شيء من حطام هذه الدنيا الزائلة، ويأتي ذلك على حساب هبات ثمينة من رب العباد، تم التفريط فيها دون علم أو اهتمام لأجل الركض اللاهث خلف أهداف أدنى قيمة، مقارنة بتلك الهبات الربانية. قد يكون ما تقدم مثالا فريدا حدوثه في حياة كثير منا، وهو بالفعل كذلك! وهو أيضا ما لا يمثل إلا جزءا يسيرا من الحديث عن فكرة السؤال الرئيس للمقال: "كم سقط سهوا منك؟!"، فلكل منا أهدافه الدنيوية المتنوعة والمتعددة إلى أقصى درجات الاختلاف، قد تكبر وقد تصغر، كلٌّ على قدر ما أفاء الله عليه من نصيب في دنياه. والعبرة هنا ألا ينسى المرء في سبيل سعيه إلى أهدافه مهما كان حجمها، ومهما كان قدره ونصيبه، أؤكد ألا ينسى ما وهبه الله من نِعَم لا تعد ولا تحصى، ومنها نفسك أولا "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، بالتركيز على ما يقع عليها من واجبات تجاه الله ثم تجاه وطنك ومجتمعك، وحقوق كل من يشاركك الحياة ممن هم حولك "الوالدين، الإخوة والأخوات، الزوجة، الأبناء، الأقارب، الأصدقاء، الزملاء، وكل من يتعامل معك". لن ينقص منك مكسب، ولن تفوتك فرصة، ولن تفقد شيئا لا يمكن تعويضه، مقابل تحقيق "التوازن" اللازم في حياتك، ودون أن تصل إلى اللحظات الأخيرة منها لتكتشف حجما فادحا مما "سقط منك سهوا" تجاه ما أفاء الله عليك به من نِعَم وهبات لا تقدر بأي ثمن. ازرع العطاء والخير والمعروف بكل أشكاله فيما حولك من حديقة الحياة، ازرع أثرا طيبا مع كل من تتقاطع حياتك مع حياته، كَثُر أو قَلَّ ذلك التقاطع الحياتي، وتجاوز قدر المستطاع عن أي إساءة دون النظر في أسبابها، احتسبها عند ربك فهو خير الحاكمين، ولا تهدر عمرك المحدود في اجترار فتات سيئات غيرك، حتى إن كنت أنت إحدى ضحاياها! فما ينتظرك من هبات ونعم، الخالق العظيم أعظم وأثمن بكل تأكيد من هدرِ عمر لا يعوض على فتات صراع آني. ما أجمل أن تنهي هذه الحياة المحدودة الزمن، وقد ملأتها بما يحب الله ويرضى، ثم بما تجد عليه كل من حولك قَرُب أو بَعُد لا يحمل لك إلا حبا ووفاء ومعروفا، وكل عام والجميع بألف خير وعافية، عيد مبارك، أعاده الله علينا جميعا وبلادنا وأهلها وعموم بلاد المسلمين في خير وتقدم وسلام. والله ولي التوفيق.
إنشرها