مآسي الإيرانيين تتفاقم

|
"تسونامي الفقر يمس المجتمع الإيراني" محسن رفسنجاني، رئيس المجلس البلدي لطهران ربما تقدمت المشاكل بين الولايات المتحدة وتركيا المشهد السياسي والإعلامي في الأيام الماضية، وأسهمت بعض "العنتريات" الصوتية في جعلها حاضرة بقوة، إلا أن ما يجري في إيران، وما يحدث على صعيد العلاقات بين واشنطن والنظام الإيراني، يظل الأهم والأكثر إثارة، فضلا عن خطورته الجامحة بالنسبة لهذا النظام الإرهابي. الاحتجاجات لم تهدأ على الساحة الإيرانية، والتوترات الناجمة عن العقوبات الأمريكية الضافية تتصاعد يوما بعد يوم، وفي بعض الأحيان تتصاعد على مدار الساعة. لماذا؟ لأن الشعب الإيراني يمضي قدما بأدوات مختلفة ضد نظامه الحاكم، ولأن الولايات المتحدة تسير بسرعة وقوة شديدتين لإطباق الكماشة حول رقبة علي خامنئي وبقية الزمرة الحاكمة، ولا سيما تلك التابعة مباشرة لهذا الأخير. قبل أيام شكل مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي مجموعة في وزارته كلفت بمهام تنسيق سياسة الولايات المتحدة حيال إيران والنظام الحاكم فيها، وهذا يعني أن واشنطن ماضية إلى الأمام حتى تتحقق غاياتها من العقوبات التي فرضتها على طهران، وتمهد الطريق في الوقت نفسه للعقوبات الأخرى التي ستفرض في غضون أقل من ثلاثة أشهر. وهذه الأخيرة ستكون أكثر قسوة من تلك الأولى. وسيتم ذلك، بعد أن تكون الإدارة الأمريكية قد حشدت ما هو مطلوب من مواقف وإجراءات دولية، لخنق النظام الإيراني أكثر وأكثر. وفي هذه الأثناء، تراجعت مراهنة طهران على بعض الدول - ولا سيما الأوروبية - لأن ترفع من مستوى دفاعها عن النظام الحاكم، وأن تتحدى المسار العقابي الأمريكي الراهن. ومع الوقت، تتحول المواقف الأوروبية إلى مستوى الصوتية فقط، خصوصا مع تجاهل شركات ومؤسسات أوروبية عابرة للقارات ضمانات حكوماتها، وانسحبت من إيران، وامتنعت أخرى عن أي مشاريع فيها. مسؤولون اقتصاديون إيرانيون سابقون يفرون بهدوء من بلادهم، خوفا من الاتهامات المعلبة التي يجيدها علي خامنئي. وفي الأيام الماضية، انتقل داء الهروب إلى بعض التجار المعروفين، خصوصا بعد سلسلة من الاعتقالات شملت العشرات منهم، ناهيك عن منع سفر أكثر من 100 مسؤول على رأس عمله، خلافا لعدد آخر تم القبض عليهم بتهم الفساد. وهذه التهم يتعاطى معها الإيرانيون العاديون من باب الدعابات، على اعتبار أن الفساد هو في الواقع صنيعة "المرشد" وعصاباته، وأن الذي يسيطر على كل شيء هو خامنئي، وأن ما تمر به البلاد، ليس إلا نتيجة حتمية لسيطرة هذا "المرشد" على مفاصل الاقتصاد الوطني ونهبه، لتنفيذ استراتيجية الخراب التي وضعتها السلطة على رأس أولوياتها. ويروج النظام "كعادته" لما أطلق عليه الحرب الاقتصادية ضد إيران، ما وفر الأرضية لرئيس السلطة القضائية آية الله صادق لاريجاني لتوجيه خطاب علني لخامنئي يطلب فيه الإذن بتشكيل "محاكم خاصة" لماذا؟ للتعامل بشكل سريع مع الجرائم المالية. ومثل هذه المحاكم تقيمها الحكومات الفاشلة في العالم، وتدل على فداحة الوضع الاقتصادي المحلي. وهي فداحة كبيرة بالفعل، لكنها ليست بسبب العقوبات الأمريكية؛ بل لأن التدمير الاقتصادي بدأ على يد النظام نفسه، ليس بالأمس وإنما منذ وصوله إلى حكم لا يستحقه. فعندما ينهب نظام ما شعبه لتمويل الإرهاب والخراب، وتدمير بلدان لا شأن لها بإيران، تكون النتيجة واضحة. ويمكن اختصارها في التالي: انهيار العملة الوطنية، وصول البطالة إلى معدلات فلكية، اتساع رقعة الفقر، توقف أو تضرر الخدمات العامة، انهيار شرائح مجتمعية بأكملها، ناهيك عن ارتفاع عدد سكان الكهوف، وزيادة أعداد المرضى بسبب نقص العلاج، وغير ذلك من مصائب مباشرة وغير مباشرة. بقية الأهوال قادمة على الشعب الإيراني في غضون فترة بسيطة، والنظام يمارس ما يعرفه دائما، وهو القمع والقتل والإخفاء والاعتقال، خصوصا مع اتساع رقعة الاحتجاجات والمظاهرات حتى التمردات. وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية تؤكد مرارا أنها لا تسعى إلى تغيير النظام، إلا أن الحل الوحيد للإيرانيين هو تغيير هذا النظام، خصوصا أنه أثبت على مدى عقود أنه لا يمكنه العيش بسلام مع شعبه ومنطقته والعالم. إنه نظام مارق إرهابي شرير، يحب الاستثمار في المصائب، ولا يخضع الحد الأدنى من الأموال لتوفير حياة كريمة لشعبه. إنه الوهم الطائفي المعلن، وحلم الملالي البائس. لا شيء يمكن إخفاؤه عن أحد في إيران. وصل الأمر إلى تمرد متصاعد ضمن نطاق الحكم نفسه. المصيبة التي تضرب هذا النظام أنه لا مجال لإصلاح بصرف النظر عن طبيعته. وإيران التي صنفت سابقا على أنها دولة مارقة بسبب نظامها الفاشي، بقيت هكذا، وفي الوقت نفسه صارت دولة بلا آفاق ولا مستقبل ولا أمل. التغيير هو الحل الوحيد لهذا البلد الذي يستطيع بسهولة أن يكون جزءا من المنطقة والعالم، ولكن من دون خبائث الملالي وأوهامهم، وبلا نظام طائفي غارق في التمنيات على أنها حقائق.
إنشرها