أخبار اقتصادية- عالمية

واشنطن تتوعد أنقرة بحزمة عقوبات جديدة .. والليرة التركية تعاود الهبوط

توعدت الولايات المتحدة بفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على تركيا إذا لم يتم الإفراج سريعا عن القس الأمريكي اندرو برانسون.
وقال ستيفن منوتشين وزير الخزانة الأمريكي، خلال اجتماع في البيت الأبيض، أمس، "فرضنا عقوبات على عدة وزراء في حكومتهم. ننوي اتخاذ تدابير إضافية إذا لم يفرجوا عنه سريعا".
وووفقا لـ"الفرنسية"، قال الرئيس الأمريكي "تركيا لم تكن دولة صديقة، لديهم قس مسيحي مميز إنه رجل بريء"، بحسب قوله.
وتراجعت الليرة التركية إلى 5.8561 مقابل الدولار بفعل تقرير بأن أمريكا تجهز المزيد من العقوبات.
وحاول براءت ألبيرق وزير المالية التركي طمأنة مستثمرين عالميين أمس، بقوله إن تركيا ستخرج من أزمة عملتها أكثر قوة، مصرا على أن بنوك البلاد قوية، مشيرا إلى أنها ستتجاوز خلافا مع الولايات المتحدة، وفقا لـ"رويترز".
وفي مؤتمر عبر الهاتف مع آلاف المستثمرين وخبراء اقتصاديين، قال ألبيرق، وهو صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن تركيا تتفهم تماما وتدرك جميع التحديات الداخلية التي تواجهها لكنها تتعامل مع ما وصفه بوضع غير مألوف في السوق.
وأبلغ وزير المالية المستثمرين أن السياسة النقدية غير كافية لمواجهة التضخم، وأن هناك حاجة إلى نهج منسق ومتوازن يقارب بين السياسة النقدية والمالية.
وهوت العملة التركية إلى مستوى قياسي منخفض عند 7.24 ليرة للدولار هذا الأسبوع، لتصل خسائرها منذ بداية العام إلى 40 في المائة، بينما يشعر المستثمرون بقلق بشأن نفوذ أردوغان على السياسة النقدية والنزاع مع الولايات المتحدة.
ومع مواجهته أخطر أزمة للعملة في تركيا منذ 2001 في أول شهر له في منصبه، فإن ألبيرق أمامه مهمة شاقة في إقناع المستثمرين بأن الاقتصاد ليس رهينة للتدخلات السياسية.
وقال ألبيرق، البالغ من العمر 40 عاما والمسؤول التنفيذي السابق في إحدى الشركات الذي يحمل درجة الدكتوراه في المالية، إن تركيا لن تتردد في تقديم الدعم للقطاع المصرفي.
وذكر أنه لا نية لدى تركيا لطلب مساعدة من صندوق النقد الدولي أو فرض قيود على رأس المال لوقف تدفق الأموال إلى خارج البلاد.
وتلقى خبراء اقتصاديون تعليقات ألبيرق بترحيب متحفظ، وأشادوا بطموحه لخفض التضخم إلى خانة الآحاد من مستويات فوق 15 في المائة حاليا. لكن معارضة أردوغان لرفع أسعار الفائدة ربما تعقد ذلك المسعى.
وقال سيلش لاد الخبير الاقتصادي في أكسا إنفستمنت مانجرز "قال كل الأمور الصحيحة، لكن الأقوال شيء والأفعال شيء آخر. قال إن القيود على رأس المال ليست جزءا من جدول الأعمال ولن تكون أبدا. أعتقد أن السوق ترغب في سماع هذا".
وفي مؤشر إلى أن تركيا ربما تأمل في التوصل إلى موقف مشترك مع دول أخرى تأثرت بالرسوم الأمريكية، قال مصدر رئاسي تركي إن أردوغان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدثا بالهاتف أمس، وبحثا تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيز الاستثمار الثنائي.
ومن المقرر أن يجتمع ألبيرق مع نظيره الألماني أولاف شولز في برلين في 21 من أيلول (سبتمبر) المقبل.
وفي عامل آخر للنزاع مع واشنطن، أصدرت محكمة أمريكية حكما بالسجن 32 شهرا على مسؤول تنفيذي كبير ببنك خلق التركي في أيار (مايو) الماضي، لمشاركته في مخطط لمساعدة إيران على تفادي عقوبات أمريكية. وعززت القضية تكهنات بأن البنك نفسه قد تُفرض عليه غرامة بسبب خرق العقوبات.
ويقول بنك خلق إن جميع تعاملاته قانونية وقلل ألبيرق من أثر التهديد. وقال "لا نتوقع أي غرامات على بنك خلق بالتأكيد. لكن كحديث افتراضي إذا احتاج أحد بنوكنا إلى المساعدة، فإن الحكومة ستسانده بقوة بالتأكيد".
ودعا أردوغان مرارا الأتراك إلى أن يحولوا الذهب والعملة الصعبة إلى الليرة، قائلا إن بلاده تخوض حربا اقتصادية مع أعداء.
لكن يبدو أن الأتراك لم يلبوا النداء. وأظهرت بيانات البنك المركزي أن الودائع بالعملة الأجنبية التي يحوزها المستثمرون المحليون زادت إلى 159.9 مليار دولار في الأسبوع المنتهي في العاشر من آب (أغسطس)، من 158.6 مليار قبل أسبوع.
ودعا أردوغان إلى مقاطعة السلع الإلكترونية الأمريكية وخصصت وسائل الإعلام التركية تغطية واسعة لاحتجاجات مناهضة للولايات المتحدة، بما في ذلك مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر فيما يبدو أتراكا يحرقون أوراقا نقدية من العملة الأمريكية ويدمرون هواتف آيفون.
من جهته، قال إبراهيم قالن المتحدث باسم الرئاسة التركية، أمس، إن أسواق المال في بلاده "شهدت تحسنا سريعا خلال اليومين الأخيرين، بفضل التدابير الاقتصادية المتخذة بهذا الخصوص"، وفقا لـ"الألمانية".
وأكد قالن في مؤتمر صحافي في أنقرة، أن "تركيا ليست بدون بدائل سواء في الطاقة أو التجارة أو الاستثمار أو المجالات الأخرى" و"ستمضي في طريقها مع زيادة خياراتها وبدائلها".
واعتبر أن بلاده تجاوزت تماما المرحلة التي يمكن استغلالها لبث الشائعات حول الليرة التركية، مضيفا "قضينا على مصادر تضليل الرأي العام حولها".
وأكد قالن أن تركيا "لا تسعى إلى حرب اقتصادية مع أحد ولا إلى توتر العلاقات مع أي دولة".
وتشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا توترا منذ نحو سنتين، إلا أن الأمر تفاقم كثيرا بعيد إعادة انتخاب الرئيس رجب طيب أردوغان في حزيران (يونيو) الماضي.
وفي الأول من آب (أغسطس)، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين، بعد اتهامهما بلعب دور رئيسي في اعتقال واحتجاز القس.
وفي الرابع من آب (أغسطس)، قال اردوغان إن أنقرة ستجمد أصول وزيري "العدل والداخلية" الأمريكيين في تركيا دون أن يوضح من يقصد تحديدا.
أما في 10 آب (أغسطس)، أعلن ترمب مضاعفة الرسوم على واردات بلاده من الفولاذ والألمنيوم التركيين إلى 50 في المائة و20 في المائة على التوالي. وكتب على تويتر "علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة في هذا الوقت".
وانخفض سعر الليرة التركية وخسرت 16 في المائة من قيمتها مقابل الدولار في يوم واحد.
وتحدث أردوغان عن "حرب اقتصادية" ودعا الأتراك إلى دعم عملتهم من خلال استبدال أي أموال أجنبية لديهم بالليرة التركية. وقال "هذا نضال وطني".
وفي 11 آب (أغسطس)، حذر أردوغان من أن تركيا ستبحث عن "أصدقاء وحلفاء جدد .. إلا إذا بدأت واشنطن في احترام سيادة تركيا".
وارتفعت تكلفة التأمين على الديون التركية إلى أعلى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية التي وقعت عام 2008 مع تراجع حاد في قيمة الليرة التركية من جديد في أسواق العملات العالمية.
ووفقا لـ "رويترز"، فإن عقود مبادلة الائتمان التركية لأجل خمس سنوات قفزت 78 نقطة أساس إلى 529 نقطة أساس، حسبما أظهرت بيانات من "آي. إتش. إس ماركت". وعقود مبادلة الائتمان هي أداة أساسية يستخدمها المستثمرون للتأمين ضد الاضطرابات المالية. ووفقا لمحللين، فإن اختزال الأزمة التركية في انخفاض قيمة العملة المحلية يمثل تبسيطا شديدا لأزمة شديدة التعقيد، ويحرف أسلوب المعالجة بعيدا عن الجذور الحقيقية للأزمة، التي باتت تهدد إنجازات الأتراك الاقتصادية.
فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أول تصريح له إثر فوزه بالانتخابات الرئاسية تعهد بأن ينقل بلاده بحلول الذكرى المئوية الأولى لإعلان الجمهورية في 2023 من المرتبة الـ 17 في الاقتصاد الدولي حاليا لتدخل ضمن مصاف أكبر عشر قوى اقتصادية على مستوى العالم، مشيرا إلى أن الناتج القومي الإجمالي سيبلغ تريليوني دولار في هذا التاريخ.
إلا أن الأزمة الراهنة باتت تعصف بأحلام أردوغان وتعهداته، بل الأخطر أنها تطرح تساؤلات بشأن هل سيكون الرئيس التركي - مطلق الصلاحية - قادرا على الحفاظ على المكانة الـ 17 للاقتصاد التركي ضمن الترتيب العالمي، أم أن تراجع أنقرة اقتصاديا بات أمرا مرجحا بشكل كبير.
ويعتبر عديد من الاقتصاديين أن مقياس تكلفة ديون الدولة التركية أكثر أهمية من سعر صرف الليرة التركية في مواجهة العملة الأمريكية، فخلال السنوات العشر الماضية استفادت تركيا من الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت البلدان الرأسمالية عالية التطور عام 2008.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية