قوانين الدول الأجنبية بين الإثراء والإلزام

|

الاستفادة من تجارب الدول في تعاملها مع القوانين وفي قضائها قد تسهم في إثراء تجارب دول أخرى، مع الأخذ في الحسبان اختلاف الفكر القانوني والأدوات القانونية المستخدمة في تلك الدول. أستعرض حكما صدر من المحكمة العليا في الولايات المتحدة في 14 حزيران (يونيو) لهذا العام.
في الولايات المتحدة، قامت مجموعة شركات أمريكية برفع دعوى جماعية ضد أربع شركات صينية تنتج وتصدر فيتامين "سي" Vitamin C بالاتفاق فيما بينها على تثبيت الأسعار والكمية للفيتامين المصدر للولايات المتحدة، مخالفين بذلك المادة الأولى من قانون المنافسة الأمريكية "قانون شيرمان". كانت حجة الشركات الصينية أن القانون الصيني - على حد زعمهم - يلزمهم بتثبيت السعر والكمية لفيتامين "سي" المصدر إلى الخارج، ما يحمي هذه الشركات الصينية من المسؤولية المنصوص عليها في قانون المنافسة الأمريكي، وقدموا بذلك بيانا من وزارة التجارة الصينية يثبت صحة هذا الإجراء، ودعموا جوابهم بالاستناد إلى مجموعة من القواعد والمبادئ القانونية.
كان أساس الالتماس أمام المحكمة العليا، أن المحكمة الأدنى حكمت بأن المحاكم الفيدرالية ملزمة بتفسير الدول الأجنبية للقوانين الخاصة بتلك الدول. وكان السؤال المحوري في القضية بشكل مختصر ومبسط، أنه عندما تكون القضية المقامة متعلقة بقوانين أجنبية، ويتم تقديم تفسير هذه القوانين، هل للمحاكم الفيدرالية أن تعدل عن هذه التفاسير لشيء آخر؟ والذي أجابت عنه محكمة الاستئناف بـ"لا". لكن المحكمة العليا في الولايات المتحدة بينت أنه صحيح ينبغي للمحاكم الفيدرالية الأمريكية، أن تأخذ في الحسبان تفسير الدول الأجنبية للقوانين الخاصة بتلك القوانين، لكن المحاكم الفيدرالية الأمريكية ليست ملزمة بها، بل لها أن تأخذ أي مصدر آخر ذي علاقة؛ لذلك ألغت المحكمة العليا حكم محكمة الاستئناف.
بغض النظر عما إذا كان الحكم لاحقا سيصدر بتحميل الشركات الصينية المسؤولية أم لا، ورغم أن الحكم يتعلق بالاستفادة من قانون دولة أخرى في التفسير أو المسؤولية، لكن يمكن استنتاج عدة أفكار من هذا الحكم في عدة مسائل:
المسألة الأولى؛ أنه يمكن للقضاء أن يستفيد من تجارب الدول الأخرى في تفسيرها القوانين، وكيفية التعامل مع القرائن المعروضة، وأوجه الاعتراض المستخدمة من الأطراف، ولا سيما في الدعاوى والمسائل الحديثة من القوانين التجارية المتجددة كأنظمة المنافسة، وغيرها من الأنظمة التجارية الحديثة.
والثانية، أنه لا تعارض بين الاستفادة من تفسير الدول لقوانينها من خلال تفسيرات الجهات التشريعية أو القضائية لديها، وبين الحفاظ على الاستقلال والتميز القضائي.
والثالثة، أن تفسيرات الدول لقوانينها أو حتى أنظمتها المالية عندما تنص على إجراءات معينة، فهذا لا يعني بالضرورة أن تلك الإجراءات ستكون قانونية في الدول الأخرى، كما في هذه القضية من ناحية التحجج بوجود نظام تسعيري حكومي، ولا سيما إذا كان أثر التصرف ينعكس في دولة أخرى، ولا يعلم حتى الآن إذا كانت هذه الشركات الصينية ستُحمى من هذه المسؤولية أم لا.

إنشرها