عندما تفقد قدوة

|
في صغري، قبل عصر الإنترنت والحاسوب، كنت أشعر بقدر كبير من الإحباط عند متابعة أفلام الكرتون الناطقة بالإنجليزية دون أن أتمكن من فهم ما يدور فيها من حوار. وكان هذا الأمر بالذات أحد الأسباب الموجبة لتعلم اللغة الإنجليزية، فدأبت أكتب الكلمات التي تتكرر وأسأل عنها من يعرف قدرا من الإنجليزية، وكان علي الانتظار طويلا لقلة العارفين آنئذ. وكنت أبث هذه الشكوى لوالدي، الذي كان يحدثني عن شاب في العائلة يجيد الإنجليزية سيعرفني عليه لاحقا، وأن علي أن أجمع كل الكلمات التي لا أعرفها لأعرضها على قريبي الذي لا أعرفه، فقد كان يدرس خارج البلاد. لم يخبرني والدي أكثر من ذلك، فمكثتُ أكتب الكلمات التي لا أعرفها، ومن فرط إحباطي فقد حفظت نطق معظمها دون معرفة المعنى، بانتظار أن أجد من يخبرني عن معانيها. في يوم من الأيام، أخبرني والدي أنه ذاهب إلى بيروت، قائلا: استعد سنذهب صباحا. وصلنا بيروت وكنت أصحب والدي في كل مشاويره في بيروت الأنيقة، بما في ذلك رؤيتي الدرج المتحرك "الاسكليتر" للمرة الأولى، في "ستاركو" عندما ذهبنا لزيارة تاجر هناك. وفي المساء أخبرني والدي أننا سنذهب لتناول العشاء عند عمي. وقد كان، لكني صادفت في بيت عمي شابا يافعا نحيلا بنظارة عدستيها سميكتين، أستطيع الجزم أن هذا الشاب ليس ابنا لعمي، فأولاد عمي أصغر مني عمرا، مَن هذا الشاب؟ قضيت وقتا وأنا "أخز" الشاب، حتى بادرني بالسؤال عن حالي ودراستي، فساقنا الحديث إلى "كلماتي الإنجليزية"، فقال: ما كلماتك؟ قلت: تعرف إنجليزي؟ قال: أدرس في الجامعة الأمريكية، والدراسة بالإنجليزي. ذكرت له بعض الكلمات، فأخذ يخبرني معناها مُصححا نطق كثير منها، ثم اصطحبني إلى غرفته، وأخبرني: لا تنتظر أحدا بعد اليوم، سأعطيك قاموسا، عربي - إنجليزي، وإنجليزي - عربي تبحث فيه عن الكلمات وستجد معناها، والتف إلى رف الكتب وأهداني قاموس إلياس، وأسَرَّ لي بـ"تكنيك" لزيادة حصيلتي من المفردات. كانت تلك بداية معرفتي بمهدي، الذي أصبح فيما بعد مهندسا زراعيا ملء السمع والبصر، وبقي العطاء خصلة متأصلة فيه. كبرنا وجمعتنا الحياة في محافل عدة، أسرية واجتماعية وسواها، ولم أكن أرى فيه إلا الشخص الذي علمني كيف أتعلم، وآثرني بأن أهداني كتابا حاجته إليه أكبر. اليوم، رحل مهدي تاركا كثيرين أمثالي مدينين له، فقد وجدنا فيه قدوة معطاءة كالأرض الخصبة التي كان يرعاها.
إنشرها