تصحيح أسعار سوق العقار في الاتجاه الصحيح .. ولكن

|

استهدفت وزارة الإسكان ضمن برنامج التحول الوطني 2020، لتحفيز المعروض العقاري ورفع الإنتاجية لتوفير منتجات سكنية بالسعر والجودة المناسبة، خفض مكرر متوسط سعر الوحدة السكنية إلى إجمالي الدخل السنوي للفرد، من مستوى عشر مرات "خط الأساس في 2016"، إلى مستوى خمس مرات بحلول 2020، وهو المعيار المستهدف الذي يظل أعلى من المعيار العالمي في سنة الأساس البالغ ثلاث مرات! ويؤمل أن يستمر خفض ذلك المعيار محليا إلى أن يعادل المعيار العالمي قبل حلول 2025.
قياسا على أحدث المستجدات الراهنة في السوق العقارية "يوليو 2018"، من حيث متوسط الأسعار السوقية للوحدات السكنية "فيلا، شقة"، التي شهدت تصحيحا سعريا خلال الفترة "2016 – 2018" حتى تاريخه بنحو 27 في المائة للفلل السكنية في المتوسط، وتصحيحا سعريا أقل للشق السكنية وصل في المتوسط إلى نحو 11 في المائة، وباستنتاج مكرر متوسط الوحدة السكنية إلى إجمالي الدخل السنوي للفرد، أخذا في الحسبان أن منتج الفلل السكنية يلائم ذوي الدخل المتوسط فأعلى، وأن منتج الشقق السكنية يلائم ذوي الدخل المحدود فأدنى، يُظهر المكرر بالنسبة إلى الفلل السكنية وصوله إلى ثماني مرات! أي بانخفاض منجز عن مستواه السابق في 2016 بنسبة 20 في المائة، لكن ما زال مرتفعا بنسبة 60 في المائة عن المستوى المستهدف له في 2020.
وبالنسبة إلى منتج الشقق السكنية كمنتجٍ ملائم لأصحاب الدخل المحدود فأدنى، سيظهر مكرر متوسط سعر الوحدة السكنية إلى إجمالي الدخل السنوي للفرد المحدود الدخل، استقراره حتى تاريخه عند 9.8 مرة، أي بانخفاضٍ لم تتجاوز نسبته 2 في المائة، وارتفاعه عن المستوى المستهدف له في 2020 بنسبة 95 في المائة!
تجيب النتائج أعلاه عن أهم وأبرز الأسئلة القائمة لدى الغالبية؛ لماذا رغم الانخفاض الملموس في الأسعار السوقية للأصول العقارية حتى تاريخه، لم نرها تنعكس إيجابا على معدلات تملك الأفراد والأُسر مساكنهم؟! نعم حدث ولا يزال يحدث انخفاض في الأسعار السوقية للمساكن، لكنه لم يصل بعد إلى الأهداف الموضوعة من قبل وزارة الإسكان، ضمن برنامج التحول الوطني 2020، والمسافة المنجزة خلال الفترة الماضية منذ 2016 حتى منتصف 2018، لم تتجاوز 20 في المائة بالنسبة إلى متوسطي الدخل فأعلى، فيما يُنتظر اكتمال 60 في المائة من الهدف المنشود خلال أقل من عام ونصف بحلول 2020، والأمر سيكون أكثر صعوبة إن لم يكن شبه مستحيل بالنسبة إلى محدودي الدخل، إذ لم يتم إنجاز أعلى من 2 في المائة، مقابل التحدي الجسيم بالوصول إلى الهدف المنشود، الذي لا تزال وزارة الإسكان بعيدة عنه بأعلى من 95 في المائة!
ماذا تعنى تلك النسب والتغيرات المستهدفة حينما نعكسها على مستويات الأسعار الراهنة؟ هذا هو السؤال الأهم، الذي سيساعد كثيرا التعرف على إجابته في الوصول إلى حقائق محددة، يمكن بناء عليها أن تتحرك وزارة الإسكان وبقية الأجهزة التابعة لها، ويمكن أيضا للأفراد الباحثين عن تملك مساكنهم بناء قراراتهم بالشراء من عدمه، وكلا الطرفين على قدم المساواة من حيث أهمية التعرف على تلك الحقائق.
للوصول إلى حقائق صلبة في هذا الخصوص؛ تبين مؤشرات الأسعار والدخل السنوي للأفراد، المتوقع تنامي مستوياته خلال العامين بمعدلات نمو سنوية قد لا تتجاوز 2 إلى 3 في المائة، أنه للوصول إلى تحقيق الأهداف الموضوعة من قبل وزارة الإسكان "مكرر متوسط سعر الوحدة السكنية إلى إجمالي الدخل السنوي للفرد خمس مرات بحلول 2020"، حسب مستوى دخل الفرد "متوسط فأعلى، محدود فأدنى"، أن مستويات الأسعار السوقية للفلل السكنية اللازمة لتحقيق ذلك المكرر، يجب ألا تتجاوز في المتوسط سقف 520 ألف ريال للفيلا السكنية الواحدة، وهو المستوى السعري الذي يعني ضرورة انخفاض الأسعار بحلول 2020 مقارنة بمستوياتها خلال العام الجاري، بما لا يقل عن 34 في المائة، وتعني أيضا تحقق انخفاض في أسعار الفلل السكنية بحلول ذلك العام مقارنة بسنة الأساس "2016" لا يقل عن 52 في المائة "تحقق منه حتى تاريخه 27 في المائة".
أمّا بالنسبة إلى الشقق السكنية، فلأجل تحقيق المكرر المستهدف "خمس مرات"، سيكون شرطا ضروريا انخفاض أسعارها السوقية في المتوسط بحلول 2020، مقارنة بمستوياتها السعرية خلال العام الجاري، بما لا يقل عن نسبة انخفاض تبلغ 46 في المائة، وهو تحد تنموي أكبر بكل تأكيد مقارنة بالتحدي المصاحب للفلل السكنية! وهي النسبة من الانخفاض التي تعني وصول متوسطات أسعار الشقق السكنية في 2020، إلى مستويات سعرية لا تتجاوز 260 ألف ريال، التي ستكون من حيث الأسعار الأكثر ملاءمة للأفراد محدودي الدخل فأدنى.
كيف لوزارة الإسكان أن تحقق تلك الأهداف قبل حلول 2020؟ الوضع كما يبدو أعلاه يبين وجود تحديات تنموية جسيمة أمامها، لكن في الوقت ذاته توجد لدى الوزارة أدوات لم تُستغل كما يجب وفقا لما أظهرته التقارير السنوية لأداء الوزارة، التي كان آخرها التقرير السنوي 2017، وأثار جدلا واسعا بينها وبين مجلس الشورى ومختلف وسائل الإعلام والرأي العام.
نعم المتغيرات الاقتصادية والمالية وقبلها الإصلاحات الهيكلية الواسعة النطاق، أسهمت كثيرا في تحقق الجزء الأكبر من الانخفاض الذي حدث على الأسعار المتضخمة لمختلف الأصول العقارية خلال الفترة 2016 إلى 2018 "انخفاض متوسط أسعار الأراضي السكنية -19 في المائة، ومتوسط أسعار الفلل السكنية -27 في المائة، والشقق السكنية -11 في المائة"، ويتوقع أن تسهم المتغيرات الجديدة "انخفاض الوافدين، تطبيق شهادة الاستدامة، ارتفاع تكلفة التمويل، تطبيق مبادئ التمويل الجديدة، انخفاض تكلفة الإيجارات... إلخ" في إحداث مزيد من الضغوط على الأسعار، لكن تظل أهمية تفعيل نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، ورقة مهمة جدا في يد وزارة الإسكان لم تُستغل كما يجب حتى تاريخه، وهو ما كشف عنه التقرير السنوي الأخير للوزارة! ما يقتضي بدوره أن تعمل الوزارة على الإسراع بخطوات أسرع وأكبر على مستوى تطبيق نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وأن تبدأ فعليا في تنفيذ المرحلة الثانية من نظام الرسوم "شمول الأراضي المطورة مساحة 10 آلاف متر مربع فأكثر"، الذي سيسرع كثيرا من تراجع الأسعار بوتيرة أقوى، يمكن لها أن تختصر كثيرا من الزمن، للوصول كما هو مخطط له ضمن برنامج التحول الوطني 2020، دون تأخير ودون أن نصل إلى ذلك الموعد القريب جدا، ونحن في منطقة بعيدة عن الأهداف الموضوعة، وهو بكل تأكيد ما يأمل الجميع عدم الوصول إليه، وفي المقدمة وزارة الإسكان نفسها، خاصة أنها هي وحدها التي وضعت تلك الأهداف المستقبلية، وهي أيضا التي ستقف وحيدة في منطقة اللوم والمحاسبة، حينما لا تتحقق تلك الأهداف! والله ولي التوفيق.

إنشرها