التحوط ضد ضريبة الكربون

|
تتسارع خطى الدول والشركات العالمية في التحول إلى استراتيجيات ومنتجات منخفضة الكربون في أثرها البيئي، وهذا التسارع يأتي نتيجة اتفاق باريس لخفض الانبعاثات الكربونية، إلا أنه في الوقت نفسه يحمل دوافع تجارية وكذلك المسؤولية الاجتماعية. المنتجات والاستراتيجيات المنخفضة الكربون لا تقتصر على الطاقة المتجددة، فعملية تصنيع أو نقل أي منتج بحاجة إلى استهلاك أو حرق وقود هيدروكربوني؛ وبالتالي يمكن لكل الشركات في مختلف المجالات تبني سياسة الكربون المنخفض؛ لتخفيف أثرها البيئي السلبي، ما ينعكس بالضرورة على علامتها التجارية بشكل يسهم في زيادة مبيعاتها، ويمكنها من زيادة هامش الربح، وكذلك يفتح أمامها مجالات أوسع للتمويل المدعوم المنخفض التكلفة. إضافة إلى الجوانب التجارية والاجتماعية لهذا التوجه، فإن تبني هذه السياسات يدفع الدول والشركات إلى تعزيز الابتكارية ودعم البحث والتطوير، كما حصل في برنامج الفضاء الأمريكي، الذي وضع هدفا للوصول إلى القمر، فكانت نتيجة نجاح البرنامج تطوير تقنيات متعددة، خدمت الاقتصاد، وأسهمت في رفع كفاءة الإنتاج بشكل كبير. وهذا هو الهدف الأساسي للابتكار، وهو رفع مستوى التقنية والكفاءة لتخطي حدود الممكن. فمتى ما تمكنت جهة من تحقيق ذلك، فإن الهندسة كفيلة بتحويل الابتكار إلى مردود مادي. الطاقة هي أهم المجالات التي يمكن أن تحقق أثرا ملموسا ومؤثرا على المدى الطويل عند تبني سياسة الكربون المنخفض. فعلى الرغم من عدم تنافسية الطاقة المتجددة عند مقارنتها بتوليد الطاقة من الوقود الهيدروكربوني على صعيد التكاليف، إلا أن التكاليف التشغيلية لمحطات التوليد المتجددة تبقى منخفضة؛ وبالتالي متى ما وصل العالم إلى مرحلة أكثر جدية وصرامة حيال الانبعاثات الكربونية، فإن الاستثمارات في محطات الطاقة المتجددة ستصبح أعلى ربحية. ولكن حتى نصل إلى مثل هذه المرحلة، لا بد أن تتبنى الولايات المتحدة أو مجموعة من الدول الصاعدة سياسات ضريبية على الكربون. والصين تسعى في مبادرات عديدة، إحداها طريق الحرير، إلى توسيع إنتاجها من الطاقة المتجددة؛ لأنه متى ما وصل إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة إلى كتلة مؤثرة، فإن ذلك سيدفع إلى مزيد من الاستثمارات في البيئة المحيطة بتوليد الطاقة، مثل التخزين والنقل، بشكل يجعلها أكثر فعالية. الضرائب على الكربون ستكون سلبية للنفط، لكن ليس بهدف استبداله بالطاقة النظيفة، إنما لإعادة توجيه الموارد لتحقيق الفائدة الاجتماعية القصوى، فيتم استغلال المواد الهيدروكربونية في المجالات الأكثر نفعا، وتتم تلبية الطلب الإضافي على الطاقة من الطاقة المتجددة، فلا يحتاج الاقتصاد العالمي إلى الاستثمار في توسيع صناعة إنتاج النفط، وبالتالي سيبقى النفط وتبقى أسعاره في مستويات مقبولة بعد خصم تكاليف الاستثمارات المستقبلية؛ ولذلك فإن التوسع في الاستثمار في الطاقة المتجددة بغض النظر عن السياسات البيئية حول العالم، سيضمن للمستثمر عائدا أفضل مستقبلا، حتى إن كان التغير بطيئا، ليس في مجال التوليد وحده، إنما في كامل سلسلة الإمداد والاستهلاك للطاقة المتجددة.
إنشرها