ثقافة وفنون

خوليو كورتاثر .. الحب والثورة والكتابة

تصلح رواية روول أجيار كنقطة انطلاق لإعادة رسم تاريخ الكاتب الأرجنتيني الذي جسد "رفقة جابريل ماركيز وماريو بارجاس يوسا وكارلوس فوينتس" تجديد الرواية الأمريكية اللاتينية وكذا الروح الثورية لسنوات 1960 و1970. فباعتباره كورتاثريا حتى النخاع، يحكي أجيار تفاصيل اللقاء الرائع الذي جمع في مدينة هافانا واحدة من الفتيات وكورتاثر. هي تعيش في 2003 أما هو ففي يناير 1967. تكمن الرهافة - بحسب ترجمة أحمد رباص ووصف تقرير لوموند دبلوماتيك الفرنسية - في الحنين الذي يقطره السرد ببطء في ذهن القارئ. هذا الأخير يعلم مسبقا الأجوبة المرهقة التي تقف في انتظار كورتاثر عندما يوجه للفتاة الشابة أسئلة حول المستقبل: لدي ألف سؤال. هل صعد الإنسان إلى كوكب المريخ؟ ماذا عن حرب الفيتنام؟ ماذا جرى في كوبا طيلة هذه المدة الزمنية؟ هل مازال فيديل على قيد الحياة؟ والاشتراكية، هل تكللت بالنجاح؟هل لديك معلومات عن الأرجنتين؟ كاتلوج على قده من الإحباطات.
ينبغي أن نعلم أن خوليو كورتاثر، الحقيقي، قضى فترة زمنية محددة في الإحساس بهذا الاهتمام الحماسي بالعالم. لقد اعترف قائلا "كان لدي قليل من فضول استطلاع أحوال الجنس البشري قبل كتابة (الرجل المتربص)"، يقصد إحدى أجود رواياته. كان عمره آنذاك 45 سنة.
باعتباره ابنا لرجل أرجنتيني، سقط رأس كورتاثر في مدينة بروكسيل سنة 1914، ظل يحتفظ منها، كما قال، بـ "طريقة في نطق حرف R لازمتني مدى الحياة". كانت تلك إحدى خصوصياته الجسدية. كان أيضا فارع الطول ونحيفا إلى أقصى حد بعد أن ظل أمرط لأطول فترة من حياته، أضفى عليه وجهه مظهر مراهق أزلي، عيناه الواسعتان، المتباعدتان جدا، يعطيان لنظرته مظهرا معتما ورشيقا. عن القط، أخذ علاوة عن ذلك الصفة الفردانية والملغزة.
إنما في العالم الغرائبي حيث ازدهر أدبه. بيد أن هذا الغرائبي ينغمس في الواقع، في الخطاب اليومي ويحولهما. منزل مسكون بحضور لم يسم أبدا في "كازا تومادا". مصور ضبط فجأة مشهدا بين مراهق وامرأة ويجد نفسه، عندما كشف عن الكليشيه، ملتقطا في الصور التي أخذها حسبما جاء في القصة القصيرة المعنون ب "/Las Babas del diablo "، "التي اقتبس منها فيلم Blow up ميكل أنجيلو أنطونيوني "1966" التي تنتمي إلى المجموعة القصصية الحاملة عنوان "أبناء العذراء".
كان كورتاثر قارئا للنصوص السوريالية. كان يعتبر الشعر جزءا لا يتجزأ من حقيقة عليا تضم في نفس الوقت العقلاني واللاعقلاني، وكان يعتقد أن اللقاءات الطارئة ليست من قبيل الصدفة وأن "الحب المجنون" والحظ يشكلان آليتين من الآليات الغامضة التي بواسطتها يصنع الناس قدرهم. "على هذا الحساب خاطئ ذلك المطرب الذي يردد على مسامعنا: "يا للي غرامك جنني، يا أحلى غرام"، المترجم.
"قد يقال إني ولدت كي لا أقبل بالأشياء بالطريقة التي تعطانيها". هذه الروح الثورية ستلازمه طيلة حياته. أدبه يتناغم مع الحركة الثورية التي انتشرت في القارة انطلاقا من الثورة الكوبية. لا شيء، إذن، أكثر منطقية من الافتتان المبكر لكورتاثر بكوبا. أقام علاقة وفية ومنتقدة أيضا مع تلك الثورة، دافع عن أفكارها كما يثبت ذلك إعجابه بـ "ليزاماليما"، حتى في سنوات السبعينيات الدوجمائية، وهو محتاط أشد الاحتياط من إمكان استخدام انتقاداته من قبل أعداء الثورة؛ الشيء الذي تطلب منه المكث في كهف العزلة لفترات طويلة، ما ظل كنهه غامضا لدى خصوم الكستروية كما لدى السلطات الكوبية.
انطلاقا من "رايولا"، كانت كتابات كورتاثر عن حقيقة ممكنة مغايرة. عاش خلال مايو 1968 فرنسيا. ثم بعد ذلك أصدر رواية "كتاب مانويل"؛ وهي عبارة عن تأمل حول المقاتلين المتمردين الأمريكيين اللاتينيين الجدد الذين تقاسم معهم وجهات النظر دون أن ينتهي في الأخير إلى التماهي معهم مع حركتهم. حصل على جائزة "الميسيديس" وقدم ثمنها هدية للمقاومة الشيلية. كانت كتابته أكثر حرية. أسهم في تشكيل محكمة برتراند راسل من أجل فضح انتهاكات حقوق الإنسان، وساند الثورة الساندينية في نيكارجوا. عن هذا الالتزام الحماسي تولدت كتب جمعت بين الدراسات والتعاليق والحكايات مثل "الجولة الأخيرة" أو روايات ذات بنية مركبة مثل رواية "تصميم قيد الإنشاء". كان كورتاثر نفسه يطالب بهذا الربط اللادوجمائي بين الأدب والثورة عندما قال "إننا في أمس الحاجة إلى شي جيفارا، إلى لغة الثورة في الأدب أكثر مما نحتاج إلى متعلمي الثورة". الحب والثورة والكتابة، ذلك ما شكل إذن مثلث المغامرة الكورتاثرية.
أنهى حياته في مدينة باريس بعد أن تم نفيه من طرف الديكتاتورية الأرجنتينية وأعلن الرئيس ميتران عن حصوله على صفة مواطن فرنسي. بالنسبة إلى ماريو جولوبوف، كاتب سيرته، تمثلت خاصيته دونما شك في كونه متعلقا دائما باللعب ولا احتفاليا دائما رغم كل شيء. السخرية والمتعة هما خاصيتان نجدهما في كتاباته ونجدهما أحيانا لدى شخوصه الأساسيين في رواياته. فلهذا السبب ربما نرتبط، حينما نلتقي مجددا بكورتاثر في هذا الفضاء الخارج عن الزمن الذي تجسده صفحات كتاب قام بتأليفه، "نرتبط" بنزعة متفائلة قد تبدو غير متلائمة مع زمننا حيث ترك الأمل مكانه للإيمان بالقضاء والقدر. ربما لهذا السبب بالذات تغرقنا أسئلة كورتاثر التي طرحها على الفتاة الشابة الكوبية في فيض من الحنين. إنها تحيلنا إلى مشروع عالم مستقر في قلب عالمنا لكننا لا نعرف كيف نزيل عنه الغطاء، لأننا نفتقد إلى فن اللقاء، هذا الفن الذي كان كورتاثر سيده. وربما لهذا السبب كذلك يكون القراء الآتون في كل يوم لأجل الاستغراق في التأمل أمام قبره الباريسي ليسوا مجرد سياح بل هم متواطئون معه.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون