تباطؤ الاقتصاد العالمي يضع الأسعار في دائرة الخطر

|

تراجعت أسعار النفط أخيرا؛ بسبب عودة انقطاعات الإنتاج من ليبيا إلى الأسواق، ما يهدد المكاسب الأخيرة في الأسعار، لكن التهديد الأكبر للأسعار خلال النصف الثاني من عام 2018 حتى عام 2019 هو التباطؤ في الاقتصاد العالمي. في هذا الصدد، حذر صندوق النقد الدولي في أحدث توقعاته لحالة الاقتصاد العالمي من أن مجموعة من التهديدات للنمو الاقتصادي تلوح في الأفق. مع ذلك، أبقى الصندوق على توقعاته السابقة لنمو إجمالي الناتج المحلي العالمي 3.9 في المائة لكل من 2018 و2019، وهي أرقام قوية إلى حد ما، لكنه قال إن "النمو أصبح أقل انتظاما، والمخاطر على التوقعات آخذة في التزايد". وأضاف الصندوق "أن النمو بصورة عامة بقي قويا في الاقتصادات المتقدمة، لكنه تراجع في عديد منها، بما في ذلك دول منطقة اليورو، اليابان والمملكة المتحدة". ويشير عديد من المحللين إلى أن هذه علامات تدل على أن الاقتصاد الأمريكي في مرحلة متأخرة من دورة النمو الاقتصادي، مع وصول معدلات النمو إلى ذروتها، ارتفاع معدلات التضخم، ارتفاع أسعار الفائدة، وانعكاس في منحنى العوائد بالنسبة لسندات الخزانة الأمريكية، وهذه جميعها مؤشرات تسبق أي ركود. كما حدث في الماضي، فإن المرحلة الأخيرة من النمو الاقتصادي تزامنت في كثير من الأحيان مع ارتفاع أسعار النفط، الذي يتبعه انخفاض في أسعار النفط وانكماش اقتصادي. تعد حالات الركود التي أعقبت ارتفاع الأسعار عامي 1973 و2008 أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك، لكنها ليست الأمثلة الوحيدة.
في حين يتخذ محللون آخرون موقفا مغايرا، بحجة أن ارتفاع أسعار النفط ينبغي ألا يكون عبئا على الاقتصاد العالمي؛ حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية في الوقت الحاضر إلى انتعاش قوة أسعار تداول الشركات السلعية، وتحسن معدلات التبادل التجاري للدول المصدرة للسلع، وبالتالي توفير الدعم لنفقات رأس المال في هذه القطاعات. وأشاروا إلى انهيار أسعار النفط بين عامي 2014 و2016، وكيف أن تراجع الأسعار لم يوفر الدعم للنمو الاقتصادي، الذي تنبأ به معظم الاقتصاديين؛ بسبب انهيار الاستثمار. بطريقة مماثلة، قد لا يكون الارتفاع الأخير في الأسعار هو الريح المعاكسة للنمو الاقتصادي، التي يعتقد كثيرون أنها كذلك. وبالنظر إلى أن ارتفاع أسعار النفط هو استجابة ذاتية للنمو العالمي القوي، وأن عبء أسعاره ليس بمستويات مرهقة، فإننا في هذه المرحلة نميل إلى اعتقاد أن ارتفاع أسعار النفط لا يشكل تهديدا رئيسا لنمو الاقتصاد العالمي كله.
مع ذلك، قال صندوق النقد الدولي، إن هناك عديدا من العوامل الأخرى، التي يمكن أن تساعد على حدوث التباطؤ. وحذر الصندوق من أن الحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين يمكن أن "تعرقل التعافي، وتقلل من آفاق النمو على المدى المتوسط". في الواقع، قال الصندوق إن الحرب التجارية تشكل "أكبر خطر على المدى القريب للنمو العالمي".
لكن ليس هذا هو الخطر الوحيد. لقد ساعد تشدد أسعار الفائدة من قبل البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على تعزيز قوة الدولار، ما ضغط على الأسواق الناشئة. على سبيل المثال، تعرضت العملة الصينية للضغط في الأشهر الأخيرة، كما أن رفع مزيد من أسعار الفائدة، واستمرار قوة الدولار، تزيدان من خطر حدوث تصحيح هبوطي في أسواق الأسهم الصينية. كما عانت بلدان أخرى تقلب أسعار العملات، بما في ذلك تركيا، الأرجنتين والبرازيل. وفي الوقت نفسه، بلغت ديون الشركات مستويات عالية للغاية، حول المستويات التي سبقت فترة الركود الأخيرة، كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال صندوق النقد الدولي أيضا إن عدم اليقين السياسي في أوروبا والتحولات السياسية في أمريكا اللاتينية يزيدان من المخاطر. وحذر الصندوق من أن "الأسواق المالية تبدو راضية - إلى حد كبير - في مواجهة هذه الحالات الطارئة، مع تقييمات مرتفعة وهوامش منخفضة في عديد من البلدان". لكن، في الوقت نفسه، المستويات العالية من الديون العامة والخاصة تُحدِث ضعفا في الاقتصاد على نطاق واسع؛ لأن أسعار الأصول مرتفعة للغاية في هذه المرحلة، وهي عرضة لإعادة التسعير المفاجئ إذا توقف النمو ولم تتحقق أرباح الشركات المتوقعة. من الواضح أن التباطؤ الاقتصادي ستكون له تداعيات هائلة على أسواق النفط. علامات تباطؤ الطلب على النفط بدأت تظهر بالفعل في الصين؛ حيث انخفضت وارداتها في حزيران (يونيو) 5 في المائة على أساس سنوي. انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين إلى معدل سنوي 6.7 في المائة في الربع الثاني، بعد نمو 6.8 في المائة في الأرباع الثلاثة السابقة. هذا لا يعني أن الركود الاقتصادي وشيك، أو أن الطلب على النفط من المتوقع أن يتراجع بقوة، لكن عددا متزايدا من الاقتصاديين يقولون إن احتمالية حدوث ركود قبل عام 2020 آخذة في الارتفاع، كما أنه من الصعب تكرار الزيادات القوية في استهلاك النفط، التي شهدناها في السنوات القليلة الماضية، وهي 1.5 مليون برميل يوميا عام 2017، و1.4 مليون برميل يوميا المتوقع هذا العام - إذا ما حدث ذلك.

إنشرها