الحوكمة القضائية .. مبدأ النزاهة "6"

|

مبدأ النزاهة؛ أحد أهم المبادئ التي تؤكد الحوكمة الحديثة على ضرورة تحقيقها، ومراقبتها بالحد الأعلى الممكن. لكن كل إنسان أو منظمة أو جهاز يمكن له أن يدعي النزاهة والأمانة، ويفترض أنها متحققة! فما المعايير التي من خلالها تضمن الحوكمة القضائية نزاهة كل منتسبي المحاكم والأجهزة العدلية؟
كالعادة؛ فإنني أحاول هنا كتابة الأفكار بطريقة غير تخصصية قدر الاستطاعة، لتسهيل الموضوع للقراء، ولأجل ذلك سأجيب عن التساؤل أعلاه بطريقة مبسطة، لشرح كيفية عمل مبدأ النزاهة الحوكمي بشكل حديث.
بداية يجب التذكير بأن أساس الحوكمة ألا أحد منزه وفوق رقابة الحوكمة، أو غير قابل للرقابة والتأكد من تطبيق شروط الحوكمة والتزاماتها، كما أن الحوكمة تفترض من تلقاء نفسها الثغرات التي يمكن أن تؤدي إلى الفساد، وتراقبها من خلال إغلاقها ووضع تشريعات تحميها بشكل دوري. وبالتالي؛ فإن هذا يجب أن يسري على الأجهزة العدلية جميعا وبشكل يحدث دوريا وبصرامة.
النزاهة الحوكمية هي ليست ادعاء أو افتراضا بالنزاهة، إنما من خلال تحقيق الاشتراطات والالتزامات المستمرة التي يجب أن يحققها كل منتسبي الأجهزة العدلية في كل إجراء بحسبه، من خلال لوائح حوكمية متطورة وتحدث باستمرار، كما قلت. والهدف من ذلك؛ هو تأكد الجهاز من تحقيق الحد الأعلى من النزاهة، من خلال وقائع ثابتة على الورق والواقع، وليس فقط بافتراض عدم وجود الفساد.
على سبيل المثال؛ فإن من التزامات مبدأ النزاهة؛ وجود الإفصاح بإقرار ذمة، يحدث ويراقب بشكل دوري، كذلك سلسلة إفصاحات على القضاة وأعوان القضاة ومنتسبي الأجهزة العدلية في كل إجراء، يحتمل من خلاله أن يحدث فساد أو خطأ. هناك أجهزة تسمى إدارات الرقابة وتحقيق الالتزام Compliance داخل أغلب الأجهزة الحديثة، تعنى بالرقابة والمتابعة على الإفصاحات الداخلية وتحقيق الالتزام بمبادئ الحوكمة، أتمنى أن تحقق قريبا وتكون لها صلاحية وفاعلية قوية.
هناك كثير من الإجراءات القضائية التي تتم داخل الأجهزة العدلية سواء من خلال القضاة أو حتى أعوانهم أو الموظفين داخل تلك الأجهزة، يجب أن تكون عليها التزامات حوكمية حديثة ومتطورة، تضمن تحقيق الرقابة والنزاهة، وتمنع من محاولة التدخل لمصلحة أحد الأطراف ضد الآخر، بل يجب أن تضمن الحوكمة إمكانية علم الطرف الآخر أو الأجهزة الرقابية بأي إجراء مهما كان، ومتى تم، ومن الموظف الذي قام به، وهكذا. وبهذا نكون قد حققنا مبدأ النزاهة فعلا، من خلال كشف كل ما يتعلق بالقضية أمام كل من له طرف.
كما كررت مرارا؛ بأن محاولة إخفاء أي شيء يتعلق بالدعوى أمام أحد الأطراف أو الجهات الرقابية هو أكبر باب للفساد ويشجع عليه. ولا يمكن تحقيق النزاهة الكاملة إلا من خلال اعتماد الحوكمة الحديثة بشكل صارم ومتطور، ودعمها بكل الصلاحيات.

إنشرها