منعطف الاقتصاد التركي

|
من فترة لأخرى أكتب عن الدول المهمة في المنطقة؛ لما لها من تأثير مباشر أو غير مباشر فينا، والتذكير بالمقارنة، خاصة أن تركيا مع المملكة عضوان في مجموعة الـ20، تقديرا لأهمية الانعطاف لا بد من بعض التاريخ الاقتصادي؛ حيث حقق الاقتصاد التركي نموا جيدا 5 في المائة من 2002 إلى 2012 بعد عاصفة اقتصادية من 1999 إلى 2001، خاصة ما صاحبها من فساد. بعد ذلك دخل الاقتصاد التركي في زيادة مطردة من الديون، مستغلا الظاهرة العالمية في انخفاض الفوائد، وتنامي الاستثمارات في الدول النامية الواعدة؛ حيث القدرات الفنية والجغرافيا وحجم السوق الاستهلاكية لـ70 مليونا، ما مكن تركيا من مواصلة النمو، وعما ذُكر عن نهضة صناعية على هضبة الأناضول. بعد 2010 تقريبا، ولعله بسبب النجاح، بدأت عدة تطورات، منها التوسع في قطاع الإنشاءات والبنية التحتية والعقارات، التي في جزء كبير منها وصل إلى مرحلة التشبع، ولذلك أصبح التوسع فيه لا يضيف كثيرا إلى الإنتاجية، خاصة أنه بطبيعته مبني على قروض، وكذلك هناك تغيرات في النزعات والنزاعات السياسية الداخلية والخارجية، وكذلك تزايد حجم الديون، وأخيرا تواصل العجز التجاري، مع انخفاض حاد في سعر صرف الليرة مقابل العملات الصعبة، وارتفاع في أسعار الفائدة. هناك فقدان للتوازن بعدما تحقق الأسهل في النمو. قد يتفق أغلب المراقبين، خاصة في اقتصاد بحجم الاقتصاد التركي، على أن حالة العملة تعبير جيد عن محصلة ما يحدث في الاقتصاد تحت وفوق السطح، خاصة إذا كان التغير في اتجاه واحد ولمدة وحجم معتبرين. كثير من المؤشرات والأرقام من الشك أو إعادة تأويل، لكن العملة في سوق مفتوحة، تختصر كثيرا عن الحالتين المالية والاقتصادية. فقد انخفضت الليرة 75 في المائة من بداية 2010 إلى منتصف تموز (يوليو) 2018، منها نحو 20 في المائة في 2018؛ والسبب الرئيس هو أن هناك عجزا في ميزان المدفوعات الجاري، مصحوبا بحساسية نحو ديون الدول النامية، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة على الدولار، وأخيرا توجس من السياسات الشعبوية، خاصة بعد حديث الرئيس التركي عن أسعار الفائدة، التي من اختصاص البنك المركزي، إلى أن عُيِّن صهر الرئيس على أعلى الهرم الاقتصادي، بدمج المالية مع الخزانة بعد إبعاد المصرفي المعروف محمد شمشك. لعل من أهم الأرقام عجز ميزان المدفوعات الجاري، الذي وصل إلى 50 مليار دولار في 2017، لكن المخاطر الكبيرة تأتي من تنامي الديون؛ إذ تبلغ المطلوبات على الشركات التركية 328 مليار دولار مع نهاية 2017، حتى بعد خصم الأصول المقومة بالعملات الصعبة 214 مليار دولار. حين تنخفض العملة تزداد خدمة الدين صعوبة، ومدى الصعوبة يعتمد على نسبة صادرات هذه الشركات، خاصة إلى دول العملات الصعبة. حديث الرئيس عن أسعار الفائدة في ظل نسبة تضخم تصل إلى نحو 15 في المائة، قد تقود إلى مزيد من هجرة الأموال، وبالتالي قيود على التحويلات، ودعوة صندوق النقد الدولي مثلما حدث قبل عقدين. قد تجبر الأسواق المالية تركيا على مراجعة اقتصادية ومالية قريبا إذا استمرت هذه التطورات السلبية. بدا كأن هذه التطورات السلبية جاءت دون مبرر بعد نجاح اقتصادي ونمو معتبرين، لكن يبدو أن تركيا استهلكت النمو السهل المبني على تقليل الفساد والبنية التحتية والإنشاءات والصناعات الأولية، مثل الأثاث، والمتوسطة مثل بعض السلع المعمرة، ونمو محموم في القروض الاستهلاكية، وهذه العناصر تكفي لتصل بتركيا إلى المستوى المتوسط من الدخل الفردي؛ أي نحو عشرة آلاف دولار في السنة. للوصول إلى مصاف الدول المتقدمة تحتاج تركيا إلى مرحلة وسياسات اقتصادية مختلفة جذريا. تحديات الانتقال من دولة متوسطة الدخل إلى دولة عالية الدخل تحتاج إلى الارتقاء للصناعات الأكثر تعقيدا. فليس كل الدول تستطيع الانتقال كما حدث في كوريا، لكن لم يحدث في المكسيك أو جنوب إفريقيا، ويبدو أن تركيا لن تستطيع على الأقل في هذه الجولة. أحد تداعيات هذا المنعطف أن بعض المستثمرين العرب، خاصة من الخليج والعراق، اندفعوا إلى الاستثمار في تركيا، غير مدركين لما يحدث من تحولات في اقتصادها، ما سبب خسائر مؤثرة أحيانا.
إنشرها