الاستهلاكية .. تعزيز للهدر

|
الثورة الصناعية الثانية أسست لقفزة كبيرة في كمية الإنتاج باعتمادها الماكينات. ومع نهاية الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتوسع القاعدة الصناعية، واعتماد خطوط الإنتاج نموذج عمل، أصبحت المنتجات أكثر توافرا بشكل يجعل كمياتها أكبر من حاجة المستهلكين. الأمر الذي أسهم في انخفاض الأسعار. وبالتالي، كي يستمر المصنعون في الإنتاج وتحقيق الأرباح، بات عليهم إيجاد مستهلكين لمنتجاتهم، بدلا من تلبية الطلب الذي لم يتوافق نموه مع النمو في القدرة الإنتاجية، خصوصا مع زيادة القدرة الإنتاجية لتلبية الطلب الناتج من المجهود الحربي. هنا بدأت الشركات في تغيير استراتيجياتها التسويقية من التركيز على ميزات المنتج، إلى إيجاد الحاجة لدى المستهلك للحصول على المنتج. هذا ما نشهده اليوم مع كثير من الابتكارات الإبداعية. فعلى سبيل المثال، لم يكن العالم في حاجة إلى الهواتف النقالة الذكية، إنما جاءت هذه الهواتف الجديدة بميزات عملت على إيجاد احتياجات جديدة لدى المستهلك، حتى صار غير قادر على الاستغناء عنها بل وصل الحال إلى أن المتاجر الإلكترونية بدأت بتجربة سياسة جديدة تشحن فيها المنتجات إلى المستهلك قبل أن يطلبها، معتمدة على سياسة "إشحن ثم اشتر". الهدف من هذه السياسة رفع كفاءة الخدمات اللوجيستية، التي تعمل على توصيل البضائع، ولكنها في الوقت نفسه تعمل على زيادة استهلاك الفرد. هذا النمط الإبداعي يرفع إمكانات الابتكار، ومساهمته في زيادة الإنتاجية بالخروج عن المألوف، والتفكير خارج الصندوق. ولكن قد لا تتوافق هذه السياسة التسويقية مع الابتكار، إنما تركز على الجانب الاستهلاكي فقط، فتجد لدى المستهلك إيحاء بزيادة قيمته كفرد في حال الاستهلاك، وبالتالي ترتبط هوية الفرد والمجتمع بما يستهلكه من منتجات بغض النظر عن الحاجة أو القيمة المضافة إلى حياة الفرد والاقتصاد. مشكلة السياسة الإنتاجية السائدة بسبب التوسع في خطوط الإنتاج وكمياته هي الهدر؛ حيث تنتج ما يفوق حاجة المستهلك، ثم تعمل على بيع أكبر قدر ممكن من هذا الإنتاج، ولكن نظرا لزيادة العرض على الطلب، فإن كثيرا من الموارد المستخدمة في الإنتاج تصبح عرضة للهدر. وليس أدل على ذلك من كميات الأطعمة المتوافرة في المراكز التجارية، وكميات الرجيع منها، بل حتى منتهية الصلاحية. فتكلفة الإنتاج الإجمالية تشمل هذا الهدر، وتحمله على الكميات المبيعة، فضلا عن الخسائر البيئية والاقتصادية من توظيف موارد لخدمة إنتاج لا يحتاج إليه ولن يستخدمه المستهلك في أي حال. الخلل يكمن في الحاجة المستمرة إلى رفع الطلب. وبعد أن كان الأمر محصورا في بدايته على الطبقة الثرية، التي تتوافر لديها الموارد لدعم زيادة استهلاكها، باتت سياسة إيجاد الطلب تركز على الطبقات المتوسطة وما دونها؛ نظرا لأنها ذات قوة شرائية إجمالية أعلى. فبات الفرد المنتمي إلى الطبقات المتوسطة يستهلك ما لا يحتاج إليه تحت ضغوط اجتماعية غير مبررة. ولذلك يجب التوسع في برامج الوعي المالي وتثقيف المجتمع، ليس لمجرد حماية الفرد، إنما لتخفيض الهدر، والحفاظ على البيئة والموارد الاقتصادية.
إنشرها