«أوبك» .. أمام تحديات معقدة

|

انخفض إنتاج "أوبك" من 32.9 مليون برميل يوميا في تموز (يوليو) 2017 إلى 31.8 مليون برميل يوميا في أيار (مايو) من هذا العام. وكان الدافع وراء هذا الانخفاض هو التخفيضات المخطط لها، "ولا سيما من المملكة والكويت والإمارات العربية المتحدة"، والانقطاعات غير المخطط لها من فنزويلا وليبيا ونيجيريا. وتركز الأسواق حاليا على فنزويلا. فقد خسرت ما يقرب من مليون برميل يوميا من إنتاجها منذ عام 2016، ومن المتوقع أن تعاني الصادرات أكثر خلال الأشهر المقبلة.
مع توقع "أوبك" أن ينمو الطلب العالمي على النفط بنحو 1.8 مليون برميل في اليوم هذا العام، وعدم اليقين بشأن حجم انقطاعات الإنتاج الإيراني، فإن الطلب على نفط "أوبك" يراوح ما بين 32 و33 مليون برميل في اليوم هذا العام. وعلى الرغم من توقع نمو المعروض من خارج "أوبك" هذا العام من النفط الصخري الأمريكي، ومن البرازيل وكندا، إلا أن الأسواق تواجه نقصا كبيرا في النفط الثقيل الحامضي، وهو وضع يجعل من الصعب على النفط الصخري الأمريكي الخفيف والحلو أن يعوض هذا النقص.
ورغم الطلب المتزايد على نفط "أوبك" مقابل إنتاجها الفعلي، إلا أن هناك عديدا من العوامل المهمة التي يجب اتخاذها حول استراتيجية الإنتاج المثلى للمنظمة. أولا، صادراتها "وليس الإنتاج" سيكون لها تأثير في الأسعار الفورية. ثانيا، على الرغم من تفاقم توقعات المخاطر الجيوسياسية، فإن جميع الدول المعنية "إيران، ليبيا، نيجيريا وفنزويلا" لديها مصادر مختلفة للاضطرابات: جيوسياسية، فروق التسعيرة، ووجهة الصادرات. أخيرا، تحرص المملكة على تجنب سيناريو ارتفاع كبير في أسعار النفط، ولا سيما في ضوء خطر كبح نمو الطلب، وتحفيز إنتاج النفط الصخري الأمريكي على المدى القصير.
عند تقييم التأثير الحقيقي لسياسة "أوبك" الإنتاجية، من المهم التمييز بين ارتفاع الإنتاج بسبب الطلب الموسمي المحلي، وصافي زيادة الصادرات نتيجة أي تشدد في الأسواق. من المتوقع أن يرتفع الإنتاج السعودي خلال الأشهر القليلة المقبلة "بعد أن بدأ بالفعل في حزيران (يونيو)" مع زيادة كميات النفط الخام المستخدمة لتوليد الطاقة؛ حيث تشير التقديرات إلى أن الإنتاج سيزداد ما بين 160 و 180 ألف برميل في اليوم لتلبية الطلب الموسمي المحلي. والأهم من ذلك، لم تُظهِر المملكة حتى الآن أي علامة على زيادة صادراتها إلى سوقها الرئيس: آسيا. وصلت أسعار البيع الرسمية لشحنات تموز (يوليو) إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2014. مع احتمال بقاء الصادرات إلى آسيا دون تغيير على مدار الأشهر القليلة المقبلة، من المحتمل أن تزيد المملكة صادراتها إلى الولايات المتحدة. إن زيادة الصادرات السعودية إلى الولايات المتحدة ستساعد على تخفيف بعض آثار انخفاض الشحنات من فنزويلا إلى الولايات المتحدة، نظرا لمواصفات النفط الخام المتشابهة ومطالب المصافي هناك. في أماكن أخرى، يمكن أن تساعد زيادة صادرات النفط العراقي إلى الهند، "حيث تهيمن الآن" على تعويض انخفاض المشتريات من فنزويلا.
لقد كان الدافع الرئيس وراء الارتفاع السريع في أسعار برنت هو القلق المتزايد بشأن الطاقات الاحتياطية لمنظمة "أوبك"، وحجم تعطل الإمدادات غير المخطط لها. منذ منتصف عام 2017، ما يقرب من 1.6 مليون برميل في اليوم من الإمدادات المتوقفة بسبب الاضطرابات الجيوسياسية تم تعويضها بمكاسب في الإنتاجين الليبي والنيجيري. في ظل المخاوف المحيطة بميناء رأس لانوف والسدرة الليبيين، ودخول نيجيريا سنة الانتخابات، ستختبر الأزمة المستمرة في الإنتاج الفنزويلي والمتوقعة في الإنتاج الإيراني مرونة احتياطيات السوق النفطية.
على الرغم من ذلك، هناك عدة نقاط يجب أخذها في الحسبان. أولا، أظهرت صادرات النفط الليبية تقلبات كبيرة على مدى الأشهر الـ12 الماضية. بالنسبة لنيجيريا، فإن استئناف الهجمات في دلتا النيجر أثر بالفعل في الصادرات. ثانيا، تبين المقارنة بين نسبة الانقطاعات الجيوسياسية مقابل الطاقات الاحتياطية لمنظمة "أوبك"، أن الوضع كان أسوأ عام 2013 بعد ما كان يعرف بالربيع العربي منه الآن. ثالثا، لم تستشعر الأسواق بعد التأثير الحقيقي لإعادة الرئيس ترمب فرض عقوبات على إيران. هناك مخاوف حول ما إذا كان بالإمكان للمشترين الأوروبيين الحصول على إعفاءات من الولايات المتحدة قبل تشرين الثاني (نوفمبر)، وعدم اليقين من أصحاب شركات النقل وشركات التأمين، لكن التأثير في الإنتاج والصادرات الإيرانية من المرجح أن يتم الشعور به على المدى الطويل؛ حيث يؤثر انخفاض الاستثمار والضغوط الكبيرة في معدلات تراجع إنتاجية الحقول الإيرانية الجنوبية، التي تتطلب تقنيات محسنة لاستخلاص النفط.
قلق "أوبك" من أن الأسعار المرتفعة قد تؤدي إلى تسارع ارتفاع الإنتاج الأمريكي هو أقل خطورة اليوم من عدة أشهر مضت. إضافة إلى قيود قطاع الخدمات، يتعين على قطاع النفط الصخري في الولايات المتحدة الآن أن يواجه قيودا في قدرة استيعاب خطوط الأنابيب من حوض بيرميان؛ حيث انعكس ذلك على الخصومات الكبيرة في الأسعار. من المتوقع أن يستمر هذا الحال حتى النصف الثاني من عام 2019 عند إضافة طاقات نقل إضافية تبلغ 1.25 مليون برميل في اليوم. علاوة على ذلك، فإن النزاع التجاري المستمر بين الولايات المتحدة والصين يوفر للمنتجين الآخرين القدرة على تعميق روابطهم مع الصين.
في الأشهر الستة المقبلة، تستطيع "أوبك" أن تواجه التحديات الجيوسياسية "في المقام الأول إيران" من خلال تبني نهج تدريجي لإدارة جانب العرض، لكن الاختبار الحقيقي لها سيكون في تشرين الثاني (نوفمبر) عندما ينتهي رسميا اتفاق خفض الإنتاج. بحلول ذلك الوقت، سيتم توفير قدر أكبر من الوضوح على الصادرات الإيرانية. وبالمثل، فإن التأثير الكامل لأزمة فنزويلا المتصاعدة سيظهر بوضوح، إلى جانب الاضطرابات الأخرى الناشئة في جانب العرض في نيجيريا وليبيا.
وبالمثل، هناك تحديات أيضا في جانب الطلب، مثل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، نمو الطلب الهندي، والتغيرات في قطاع التكرير الصيني، خاصة بين المصافي الصغيرة المستقلة التي تعرف باسم "إبريق الشاي". الاختبار الحقيقي للمنظمة سيكون على المدى المتوسط، وليس خلال الأشهر الستة المقبلة.

إنشرها