التخصصات الجامعية .. وهيكلة سوق العمل

|
يجب أن نعترف بأن مشكلة البطالة في المملكة ما زالت تشكل هاجسا اقتصاديا، فقد أظهرت بيانات سوق العمل للربع الأول من هذا العام، ارتفاع معدل البطالة بين السعوديين إلى 12.9 في المائة؛ أي بزيادة قدرها 0.1 في المائة بعد استقرارها عند 12.8 في المائة خلال العام السابق، ويشكل الإناث نحو 55 في المائة من العاطلين السعوديين، فيما الذكور نحو 45 في المائة. والمشكلة الاقتصادية في مسألة البطالة هي انخفاض القدرة الشرائية لهؤلاء العاطلين عن العمل، ومع استمرار هذا الاتجاه نحو الارتفاع، فسيقود الطلب الكلي نحو الانخفاض، وهو بذلك يهدد الإنتاج الكلي، حيث ينخفض استجابة لانخفاض الطلب، وهذه الحلقة تصبح مفرغة، إذ إن انخفاض الإنتاج يؤدي إلى مزيد من البطالة والخروج من الوظائف، ومن ثم انخفاض الطلب، ثم انخفاض الإنتاج مرة أخرى وخروج من العمل وهكذا.. لذا، لا بد من بذل جهود كبيرة للخروج من مأزق البطالة هذا، أو على الأقل الخروج من الاتجاه الصاعد له. هذه المشكلة الأساسية في مسألة البطالة لن تحل بمزيد من العمال الأجانب لتعويض النقص في الإنتاج، ذلك أن القدرة الشرائية للعمال الأجانب لن تعوض النقص في الطلب، لتراجع مستوى أجورهم وطريقتهم في الحياة الاجتماعية وتحويل الأموال خارج البلاد. ارتفاع نسبة البطالة عند النساء وتأثيرها في مستوى البطالة الكلي له أبعاد كثيرة، أولها وأهمها هو سياسات التعليم التي أدت إلى توجيه الطالبات نحو التخصصات التعليمية فقط، ومع تشبع هذه التخصصات وضعف القطاع الخاص في هذا الجانب، فإن كل عام سيقودنا إلى مزيد من البطالة، كما أن لمفهوم عمل المرأة في المملكة وبيئة العمل التي تتناسب مع عادات المجتمع السعودي تحتاج إلى جهود أكبر من "وزارة العمل" ووزارة الثقافة؛ لتشجيع انخراط كثير من العاملات السعوديات في السوق. هناك أيضا مشكلة مع تفسير ربة المنزل كعاطلة عن العمل، وهذا يحتاج إلى نظر من جديد، فالمعروف اقتصاديا أن ربة المنزل ليست من ضمن عناصر البطالة، بل عمل منتج اجتماعيا، لذا يجب عادة تحليل مكون المرأة في أرقام البطالة، كما يجب إعادة هيكلة سوق العمل من أجل تحسين الطلب. في تحليل وحدة التقارير في صحيفة "الاقتصادية"، الذي استند إلى بيانات الهيئة العامة للإحصاء، 52 في المائة من السعوديين العاطلين من حملة شهادة «البكالوريوس» أو "الليسانس" أيضا، وعددهم 403 آلاف مواطن، وهذا المؤشر له أبعاد كثيرة جدا، ويجب التعمق في دراسة هذه الظاهرة، فهل حملة الدبلومات أكثر حظا في الوظائف، أم أن حملة الدبلومات أقل عددا، مع اتجاه المجتمع نحو التعليم الجامعي بكثافة أكبر؟ الاتجاه العالمي يشير إلى أن حملة الدبلومات المهنية خاصة، هم الأكثر حظا في فرص العمل، والسبب هو صغر السن، والقدرة على التكيف السريع مع أوضاع العمل، والسرعة في الفهم، وقبول رواتب أقل من نظرائهم في الجامعات، وهذا يساعد المؤسسات على تعيين اثنين من حملة الدبلومات في مقابل موظف واحد من حملة الشهادات الجامعية. هذا الاتجاه إن صح في السوق السعودية، فإن نظرة الشباب نحو العمل والتعليم الجامعي ونظرة السوق للشهادات المقبولة قد تغيرت، لكن هذا ينقصه الدليل. ونحتاج من وزارة العمل إلى فحص دقيق للمسألة، وبذلك يمكن إعادة صياغة معايير القبول والتخصصات والشهادات الممنوحة في التعليم العالي. يشير التحليل إلى أن 19.9 في المائة من العاطلين السعوديين بشكل عام هم من حَمَلَة الشهادات في الدراسات الإنسانية والفنون وبرامج العلوم الاجتماعية والأعمال التجارية والقانون وبرامج العلوم الطبيعية والرياضيات وعلوم الحاسب الآلي، والتربية وذلك بنسب مختلفة، وهذا لا يمنع وجود بطالة في تخصصات أخرى، لكن تظل بنسب أقل؛ بسبب انخفاض نسب القبول في الجامعات في هذه التخصصات. لذا، يجب قراءة هذه المعلومات بحرص، فارتفاع نسب البطالة في التخصصات له تأثيرات من جانب العنصر النسائي، الذي - كما أشرنا - يركز على مسار وظيفي واحد، وهو التعليم، كما أن التخصصات الأخرى تعود إلى ارتفاع عدد الخريجين بشكل يفوق الطلب الكلي، مع حاجة هؤلاء الخريجين إلى مستويات من الأجور تتناسب مع تحديات الأسعار والمعيشة، خاصة أن معظم الخريجين في متوسط أعمار لن يقل عن 24 سنة. لذا، فإننا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في التخصصات، ومنح خيارات الخروج في منتصف المدة، وربط الجامعات بسوق العمل، من خلال برامج التدريب أثناء الدراسة كجزء من متطلبات التخرج، مع إعادة هيكلة سوق العمل كما أشرنا، وإصلاح بيئة العمل بشكل عام. نحتاج إلى إصلاح هياكل الأجور، ومراجعة سن التخرج في الجامعة، وإصلاح سوق التعليم بشكل يمنح القطاع الخاص توسعا كبيرا فيه، ما يتيح فرص عمل جديدة.
إنشرها