مكافحة الفساد .. الشفافية والمحاسبة

|

المملكة اليوم ليست هي المملكة قبل بدء حكم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، فمنذ اللحظة الأولى ظهرت معالم مرحلة جديدة تماما، وفي كافة المجالات، الداخلية والخارجية، الأمنية والاقتصادية، حتى القضايا الاجتماعية والإدارية، وقد لخصت "رؤية المملكة 2030" تلك القضايا كافة، ورغم أن "الرؤية" تمثل تحديا بذاتها ذلك أنها تنقل المملكة بزواياها كافة نقلة حضارية كبيرة، لكن العمل جاد جدا، ولهذا، فإن المملكة تشهد تغيرات جذرية حقيقية من سنة إلى أخرى، بل حتى من شهر إلى آخر، فالمملكة قبل شهر ليست هي اليوم، فقد استجدت قضايا كثيرة من بينها مثلا قيادة المرأة للسيارة التي أصبحت واقعا بعد أن ظلت مجرد نقاش، وأصبحت هناك محميات واسعة ولها مجالس، وتم إنشاء وزارة مستقلة للثقافة، وكثير مما شهدته المملكة من عمل حقيقي في الأشهر القليلة الماضية في طريقه نحو تحقيق رؤيتها الموعودة، بإذن الله.
والمملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وبقيادة تنفيذية من قبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تؤكد عزمها على تحقيق "الرؤية" بكل تفاصيلها، ولهذا، فإن العمل التنفيذي في الميدان يشهد أن ما يجري ليس مجرد ردات فعل أو معالجة مرحلية لقضايا أو ضغوط، سواء كانت داخلية أو خارجية، وإذا كان من تعديلات على الجهد التنفيذي ميدانيا، فإنه يتم من أجل استمرار النهج الاستراتيجي الذي لا تراجع عنه، وهذه القراءة للواقع في المملكة تشهد عليه بكل جلاء إجراءات مكافحة الفساد، فقد أكدت "الرؤية 2030" بكل وضوح على نهج الشفافية، وأنه لن يكون هناك تهاون أو تسامح مطلقا مع الفساد بكل مستوياته، سواء أكان ماليا أم إداريا، وأن ذلك سيتضمن شفافية وحوكمة عالية المعايير وسيشمل ذلك اتخاذ كل ما هو ممكن لتفعيل معايير عالية من المحاسبة والمساءلة. وهذا تمت ترجمته منذ عام تقريبا عندما أصدر خادم الحرمين الشريفين أمره الكريم بتشكيل لجنة عليا برئاسة ولي العهد لمكافحة الفساد، ثم تلا ذلك الإعلان عن أكبر عملية تحقيق في المملكة، بل قد تكون في العالم أجمع في قضايا فساد انتهت بتسويات مالية تم من خلالها استرداد المليارات للخزانة العامة وتمويل بدلات غلاء المعيشة للمواطنين، وإذا كان بعضهم يظن أن ذلك يمثل قرارات اللحظة والحماسة للقرار، فقد أثبتت الأيام التي تلت أن هذا نهج حقيقي كما جاءت به "الرؤية" وعزم خادم الحرمين الشريفين على تنفيذه وصدق به قول ولي العهد إنه لم يسلم من المساءلة في قضايا الفساد كائن من كان. وبالأمس، عادت هذه المسألة إلى السطح مجددا مع تصريح النائب العام، بأنه تم القبض على أحد المسؤولين التنفيذيين في وزارة الدفاع إثر تلقي معلومات من وزارة الدفاع نفسها تتعلق بتعاملات مالية مشبوهة أكدت سعي المسؤول لتسهيل إجراءات غير نظامية لصرف مستحقات مالية لإحدى الشركات، مستغلا في ذلك نفوذه الوظيفي وأخذ الرشوة عليه.
وبعيدا عن تفاصيل القضية، فإن ما يهمنا التأكيد عليه، أن مسألة التحول الاجتماعي والاقتصادي في المملكة تسير بشكل واضح وصادق وشفاف، وأن على الذين لم يستوعبوا بعد هذه الجدية ويظنون أن ما يحدث هو مجرد إجراءات مرحلية لا تلبث أن تزول، عليهم أن يعودوا إلى رشدهم وقراءة المشهد بواقعية وعقلانية والمشاركة الجادة في هذه المرحلة المهمة من بناء الدولة السعودية في القرن الـ21، دولة متحضرة، تقود العالم وتدافع عن حدودها، وعن وحدتها، وعن اقتصادها، وعن بنية المجتمع السعودي بعزم وحزم وقوة وشفافية يشهد لها الجميع، وأن على الجميع إعادة قراءة "رؤية المملكة 2030"، لفهم مقتضياتها، ومتطلباتها، فالمحاسبة سوف تطول كل متهاون، والمكافأة ستكون من نصيب الذين أسهموا بصدق في بناء الصرح السعودي المنشود في قرنه الـ21.

إنشرها