ترمب في أوروبا .. إيران هدف

|
"أشيد بإرادة الأوروبيين السياسية لمقاومة الولايات المتحدة" جواد ظريف، وزير خارجية إيران العلاقات بين الولايات المتحدة و"حلفائها" الأوروبيين ليست جيدة. وبالإمكان القول دون تحفظ إنها سيئة، وتراجعت بصورة "درامية" على مدى الأشهر الماضية. الأسباب متعددة، منها التجارة، والإنفاق العسكري، والمناخ، وغير ذلك. إلا أن المسألة الإيرانية تشكل هي الأخرى محورا رئيسا في هذا التراجع التاريخي حقا. في الماضي القريب، كانت هناك تباينات في وجهات النظر بين الأوروبيين والأمريكيين حول عدد من القضايا، بما فيها القضية الفلسطينية. وبلغت أوجها عندما انحصر التباين في الرؤى بين فرنسا بقيادة الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، والإدارات الأمريكية التي تزامنت مع وجوده في الحكم. غير أن الثوابت الغربية بقيت كما هي دون المساس بها من قبل الطرفين. وكانت الحرب الباردة عاملا ضامنا لهذه الثوابت، على الرغم من انطفاء شرارتها في الفترة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفياتي. لا يوجد بصيص أمل على أن إدارة الرئيس دونالد ترمب يمكن أن تراجع سياستها حيال النظام الإرهابي الإيراني. الأوروبيون الذين يحلمون بحدوث ذلك، أحبوا العيش في الأوهام، بينما هم أنفسهم يمرون بأسوأ الأيام، نتيجة الخروج الحتمي لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، و"يتعاركون" في كيفية التعاطي مع اللاجئين، إلى درجة أن مصير منطقة "شنجن" الأوروبية المفتوحة، بات حديث المجالس والاجتماعات والإعلام. ترمب يبدأ جولة أوروبية، من بينها زيارة "مرتعشة" لبريطانيا التي أصرت على استقباله ضمن زيارة عمل، لا في إطار زيارة دولة. وهذه دلالة واضحة على عمق الخلافات بين لندن وواشنطن، العاصمتين اللتين كانتا حتى أمس الأقرب دائما إحداهما إلى الأخرى من بين كل العواصم حول العالم. هذه الجولة تأتي بعد أيام فقط من تحدي دول الاتحاد الأوروبي الرئيسة "ألمانيا، بريطانيا، فرنسا" ومعها الصين وروسيا، مطالب الإدارة الأمريكية بالتوقف عن استيراد النفط الإيراني، ليس لتجويع شعب إيران، بل لوقف تمويل استراتيجية الخراب والعذاب والإرهاب، التي يقوم عليها نظام علي خامنئي. فهذه الدول أعربت عن حق طهران في تصدير نفطها، وفي أن تستمر طرفا في التجارة العالمية، وفوق هذا وذاك، الالتزام بالاتفاق النووي الهش، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، لكن الأمور لا تمضي هكذا مع إدارة أمريكية صلبة إلى أبعد الحدود في مسألة تطويع النظام الإيراني ليكون جزءا طبيعيا من المنطقة والعالم. ويبدو أن شينزو آبي رئيس الوزراء الياباني، أكثر واقعية من زعماء الدول المشار إليها، عندما ألغى زيارة تاريخية لإيران. ولو تمت هذه الزيارة فستكون الأولى لزعيم ياباني منذ عام 1978. فهناك اتفاق ضمني بين طوكيو وواشنطن على زيادة الضغط النفطي على إيران. لا يزال هناك وقت كافٍ لأي دولة لمراجعة موقفها من النفط الإيراني، فالوقف التام لاستيراد هذا النفط، بحسب المطالب الأمريكية، يبدأ عمليا في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. ولا شك أن جولة ترمب الأوروبية ستتضمن التركيز على هذا الجانب، مع التأكيد على أن البلدان التي ترفض التعاون في هذا المجال، ستتعرض إلى العقوبات، من خلال شركاتها ومؤسساتها التجارية والمالية المختلفة. والحق أن هذه الشركات أسرعت إلى الالتزام بمطالب واشنطن، وخرجت من إيران، بينما أعلنت أخرى أنها لا تنوي دخول السوق الإيرانية على الإطلاق، إذا ما تعارض دخولها مع التوجهات الأمريكية. إصرار دول أوروبا خصوصا على التحدي، سيؤدي حتما إلى مزيد من التردي في علاقاتها مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل مصالح هائلة تجمعها مع الجانب الأمريكي. دونالد ترمب يسعى منذ وصوله إلى الحكم إلى وقف الامتيازات التي منحها سلفه باراك أوباما للنظام الطائفي الإيراني، حتى بلغت هذه الامتيازات تجنيس ما لا يقل عن 2500 مسؤول إيراني، ناهيك عن تحرير الأموال المجمدة، وفتح الطريق أمام مَن يرغب من الشركات العالمية دخول السوق الإيرانية. حصل هذا بينما استراتيجية إيران التخريبية تمضي قدما على ساحتها الداخلية والإقليمية، إلى جانب تمويلها الفاضح للعصابات الإرهابية هنا وهناك. قواعد اللعبة تغيرت الآن، هناك إدارة أمريكية لا تريد لهذا النظام الإرهابي مزيدا من التمويل المالي الذي لا يذهب إلى شعبه، بل إلى الخراب. السلطات الإيرانية أمرت أخيرا المستشفيات بإعادة استخدام المواد الطبية المستهلكة، بينما ترصد الأموال لتدمير هذا البلد أو ذاك، ولدعم الإرهاب هنا وهناك. هناك كثير من الشواهد على أن نظام علي خامنئي ينبغي أن يخنق ماليا، والأوروبيون ليسوا أغبياء، بل لا يزالون يمارسون "الاستغباء" المفضوح، بحجج مستهلكة. النظام الإيراني ليس قيادة طبيعية يمكن التعاطي معها، وهو من أسوأ الأنظمة في التاريخ الحديث، ومن واجب الدول الكبرى أن تبحث عن طرق لوقف استراتيجية الخراب التي ينتهجها منذ استيلائه على السلطة. سيسمع الأوروبيون ذلك من ترمب، الذي سيبدد آمالهم في الحفاظ على اتفاق نووي لم يُفِدْ إلا النظام الأسوأ.
إنشرها