الوحشية في طريق الاقتصاد العالمي

|
ليس صعبا توقع آثار الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. هذه الحرب التي اندلعت فعلا، مع بداية تنفيذ الإدارة الأمريكية تهديدات بفرض رسوم جمركية على السلع الصينية. التهديدات صارت واقعا، والحكومة الصينية أيضا لم تفاجئ أحدا، إذ إنها منذ بدء التراشق الكلامي بينها وبين واشنطن حول الرسوم الجمركية، أعلنت أنها سترد بالمثل، وتعد هذا أمرا طبيعيا، ولن تكتفي بذلك فحسب، بل سترفع قضيتها أمام منظمة التجارة العالمية. نحن أمام رحى حرب دارت بالفعل، مع فرض رسوم جمركية إضافية على 818 منتجا صينيا، يقدر مجموعها بأكثر من 34 مليار دولار. بالطبع هذه الرسوم بداية، لأن الجهات الصينية توقعت أن تصل الفاتورة الجمركية المضافة على سلعها من الجانب الأمريكي إلى أكثر من 100 مليار في غضون الأشهر المتبقية من العام الجاري. الحرب التجارية بين طرفين تبقى مصيبة على العالم، فكيف الحال وهذه الحرب قد اندلعت بين أكبر اقتصادين في العالم، تضاف إليها تلك التي توشك على الاندلاع بين الولايات المتحدة وبين "حلفائها" التاريخيين، ناهيك عن تلك التي بدأت بأشكال متواضعة "حتى الآن" بين الجانب الأمريكي والجارة الاستراتيجية كندا! ستكون أكبر حرب في التاريخ الاقتصادي بالفعل، وهذا ما تحذر منه المؤسسات الاقتصادية الدولية الخائفة على مسيرة الاقتصاد العالمي في النمو، ومسيرته أيضا في التعافي من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008. وفي كل الأحوال، ستكون كل الأطراف متضررة، في الوقت الذي يتطلب أن يقف العالم جنبا إلى جنبا، للحفاظ على وتيرة النمو المتواضعة حاليا. جهات صينية تقدر الحملة الجمركية الأمريكية بأنها قد تصل إلى 100 مليار دولار، علما بأن الحد المنظور حاليا لا يتجاوز الـ 50 مليارا. لكن يمكن أن تكون هذه الجهات على حق، إذا ما راجعنا تهديدا معلنا من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأنه مستعد لفرض رسوم جمركية على السلع الصينية تصل إلى 200 مليار دولار، أي أن الحرب قابلة للتصعيد، بل قد تكون جاهزة لـ"الوحشية الاقتصادية"، إن جاز التعبير. على الجانب الأوروبي، لن يكون الأمر أقل خطرا، بل على العكس تماما، والسبب لا يتعلق فقط بحجم الرسوم التي تسعى واشنطن إلى فرضها على سلع حلفائها، بل يرتبط أيضا بطبيعة العلاقة الاستراتيجية المتردية بين الحلفاء أنفسهم، تلك التي تجلت بوضوح معبر في قمة مجموعة السبع الكبرى الأخيرة في كندا. العالم ليس جاهزا لمثل هذه الحرب. وفي الواقع، لا يمكن أن يكون جاهزا لها في أي وقت، ولا سيما في ظل وضعية الاقتصاد العالمي الهشة بعض الشيء. ولا تبدو في الأفق أي بارقة أمل لفتح حوارات مجدية بين الأطراف المعنية بهذا الخصوص. فحتى الحلفاء فشلوا في ذلك، فكيف الحال بالنسبة لغيرهم. والحق، أن الموقف الأمريكي يتسم بالصلابة والشدة بهذا الشأن. وظهر بوضوح تمسك واشنطن بسياساتها التجارية الجديدة، وهي ليست جديدة إذا ما أخذنا في الحسبان الإعلان المتكرر الذي أطلقه ترمب قبل الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها، فالرجل كان واضحا جدا في هذا المجال. إنه يسعى إلى حماية المصالح الأمريكية برؤيته الخاصة، في الوقت الذي لا يرى فيه سياسيون أمريكيون أن هذه الإجراءات تدعم تلك المصالح، خصوصا ما يتعلق بالاتحاد الأوروبي وكندا.
إنشرها