أعطني ولا تقايضني!

|
يقول جبران خليل جبران: "نحن نعطي لنحيا، لأن الامتناع عن العطاء سبيل الفناء". يخلط البعض بين مفهومي العطاء والمقايضة، ومن هنا تنشأ النتيجة المتوقعة لردة فعل الأشخاص الذين يرهنون عطاءهم بمقابل، كالصدمات الإنسانية، واحتضار العلاقات الاجتماعية، ونزف المشاعر و"الطيب ما له نصيب"، لأن مَن يعطي وينتظر مقابلا فهو في حقيقة الأمر يقايض، ففي التعريف المبسط لنظام المقايضة سنجد أنه نظام يقوم على مبادلة شيء بشيء آخر، فمن يمتلك شيئا لا يحتاج إليه، ويريد شيئا بحوزة شخص آخر، فإنه يقوم بمقايضة هذا الشخص على ما يمتلك، وهو مفهوم يتعارض تماما مع مفهوم العطاء بمعناه النبيل. - العطاء الحقيقي هو أن تعطي بحب ولا تنتظر مقابلا مهما كان هذا الشخص قريبا منك أو بعيدا عنك، أما المقايضة فهي أن تصنع من الشخص الذي تفضلت عليه بعطائك ومعروفك سجينا لك، تلسع قلبه بين الحين والآخر بذكرى عطائك، وتجعله يشعر بالترقب، لأن عليه رد الجميل! - العطاء الحقيقي هو أن تعطي وتمضي في طريقك، مثل الريح التي تحمل البذور وتلقيها في أعماق الأرض، لا تنظر خلفها، ولا تتوقف حتى تنضج الثمار، بل تمضي وحسب.. لتعود مجددا وتنقل بذورا أخرى، أما المقايضة فهي أن تنتظر الفرصة السانحة والظرف المناسب لك لتطالب من صنعت له معروفا برده إليك، بغض النظر عن ظروفه وأحواله ونفسيته! - العطاء الحقيقي أن تكون واثقا من قدرتك على الاستمرار في طريق العطاء والبذل مهما نالك من الجحود والردود العكسية لما كنت تأمل، فلا الأحداث تكسرك، ولا النكران يوقفك، لأنك تؤمن في داخلك بأنك تعطي لله وتنتظر ما عند الله، أما المقايضة فهي أن تقسم ثلاثا ألا تفعل المعروف إلا لمن يبادلك إياه ويرد إليك عطاءك، وبالتالي، سيخضع مفهوم العطاء لديك لعمليات الانتقاء والفرز والتصنيف والتمحيص وووو..! - العطاء الحقيقي سيجعلك شخصا أقوى وأكثر قدرة على النجاح في المواقف الإنسانية، أما المقايضة فستجعلك هشا من الداخل، تكسرك المواقف، وتصنع منك ضحية تتباكى على الطيبة "اللي راحت"..! لذلك، إن كنت تعطي الآخرين من باب "شد لي وأقطع لك"، فسيأتي قريبا ذلك اليوم الذي ترفع فيه راية استسلامك، وتقول: "خلاص أنا تعبت"، لأنك في الحقيقة كنت تقايض ولم تكن تستمتع بالعطاء! لا شيء في هذا العالم يضاهي نجاحك في رسم السعادة فوق ملامح شخص أعطيته - لله وحده - ومضيت دون أن تنتظر منه مقابلا..! إنها قمة العطاء يا سادة!

اخر مقالات الكاتب

إنشرها