فن إدارة المسافات

|

عملت في مشروع كبير قبل فترة، واقتربت من أحد كبار مستشاري الرئيس التنفيذي للمشروع. ولاحظت الثقة الكبيرة التي يمنحها إياه رئيس المشروع، لكن انتبهت أيضا إلى المسافة الكبيرة بينهما. فالمستشار يضع مسافة كبيرة بينه وبين الرئيس. لا يتبسط معه مطلقا. يحرص ألا يجلس بجواره إلا إذا طلب منه الرئيس. لا يمكن أن يبدأ الحديث بل رئيسه هو من يبادر. يناديه بسعادة الأستاذ سواء شفهيا أو حتى خلال مخاطبته بالبريد الإلكتروني. يحرص على أن يظهر الفارق بينهما في كل لقاء أو حوار أو اجتماع. حتى لو لم تعرفهما وشاهدتهما معا لأول مرة فستكتشف من الرئيس ومن المرؤوس، من خلال لغة الجسد التي يحرص المستشار على أن تظهر أنه مهما صعد يظل موظفا لدى الرئيس.
لا أخفيكم أن سلوك المستشار أثار فضولي. فهو رغم قربه الكبير من الرئيس إلا أنه يصر على وجود المسافة الكبيرة بينهما. وعندما سألته عن سر هذا السلوك أجابني إنه أفضل سلوك يمكنك أن تستعمله مع رئيسك. يريحك ويريحه. أسوأ قرار تتخذه أن تلغي الحواجز والمسافات.
أتفق تماما مع سلوك ذلك المستشار؛ فالحواجز والمسافات ليست كما نتصور سيئة وتعيسة، وإنما أحيانا تكون قيمة ومفيدة. تفرض احتراما إضافيا يزيد الاحترام بين الطرفين. تمنع أي تجاوز واقتراب يضر بالعلاقة على المدى الطويل.
التبسط شيء جميل لكنه مضر أحيانا إذا استخدم مع الشخص الخطأ في الوقت الخطأ.
دائما ضع ضوابط وبروتوكولات في علاقتك مع الآخرين إذا أردت أن تصمد هذه العلاقة ولا تقتلعها رياح العاطفة. 
من أهم هذه الضوابط ألا تقترب أكثر من اللازم. حافظ على هذه المسافة، لا تدوس عليها. ارسم هذا الحاجز الوهمي في رأسك واحرص على ألا تهدمه أو تخترقه. فمهما تواضع رئيسك أشعره دائما بأنه رئيسك. إذا لم يخدمك هذا السلوك فحتما لن يؤذيك. سيجرحك تجاوز الخطوط والاعتداء على المسافات والمساحات. قد تقترب منه كثيرا لكنك لاحقا ستبتعد كثيرا. فن إدارة المسافات أحد أهم الفنون التي يجب أن نبرع فيها. من حسن الحظ لا يتطلب منا إجادة الرسم بيدنا، لكن يتطلب منا كثيرا من الرسم في رؤوسنا. وتذكر ابتعد لتقترب.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها