أودية الحزن

|

تعرضت قريبتي إلى عارض صحي اضطرها إلى إجراء عملية جراحية معقدة ألزمتها الفراش نحو شهرين. انخفض وزنها وشحب وجهها وتهشمت نفسيتها. وازداد وضعها سوءا إثر بعض الكلمات التي تلقتها من زوارها التي تشبه الحجارة مثل: "يا الله، كيف أصبحت هيئتك. كأنك تقدمتِ في العمر 20 عاما. أنا خائفة عليك". ولا تنسى جملة مازالت تسكن صدرها: "هل متأكدة أن عمليتك نجحت. لا يمكن أن تنجح عمليتك ووضعك بهذا السوء. راجعي هذا الطبيب لعله يعيدك إلينا كما كنتِ". ورغم محاولاتها البائسة للدفاع عن عمليتها الجراحية الناجحة وعرضها للتقارير الطبية التي تثبت صحة حجتها وتأكيدها أن ما تمر به هي مرحلة استشفاء يعيشها أي مريض بعد عملية غير سهلة إلا أن حديث وأسلوب بعض من يعودها يزيد ألمها ألما ويطيل مدة معاناتها.
تقول لي قريبتي إن بعض من زارها بعد العملية لم يكتف بإلقاء كلمات تنكأ جروحها وتعمق حزنها فحسب وإنما بكى أمامها شفقة على ما آل إليه حالها.
تتذكر قريبتي أنها ذبلت ومرضت أكثر بعد ردود الفعل الصارخة التي تعرضت لها وسالت على إثرها أودية وشعاب الحزن في داخلها.
بعد أن تأزمت حالتها النفسية وتدهورت صحيا، قررت أن تقلع عن استقبال أي ضيف سوى أمها. وبالفعل تحسنت كثيرا وعادت تدريجيا إلى بريقها المعتاد.
تثق قريبتي بأن نوايا زوارها كانت نقية لكن أفعالهم غير موفقة. وأتفق معها تماما، ننحاز أحيانا إلى عواطفنا ولا نفكر بالكلمة قبل أن نرميها. يا صديقي، المريض يعلم تماما أنه أصبح نحيلا ووجهه شاحبا ونشاطه ذابلا ولا يحتاج إلى تذكيرك. تذكر أنت لست مرآة. تنقل كل تضاريسه وتفاصيله. لديه 100 مرآة تعرض عليه كل جروحه بدقة متناهية. أنت زائر يجب أن يتحلى باللين والرفق والابتسامة. كل ما يحتاجه المريض منك دعوات صادقة وحديث مفعم بالتفاؤل. أجمل استشفاء هو الذي تقضيه مع أشخاص يرونك مضيئا رغم انطفائك.
نحن لا نحتاج دائما إلى أدوية لننهض ونبتسم ونشرق، نحتاج فقط إلى كلمات قصيرة دافئة وابتسامات واسعة لنشفى ونركض ونضيء.
ربما لا نحتاج إلى أي كلمة. فعناق واحد قد يرويك ويسقيك.

إنشرها