FINANCIAL TIMES

عقب انكشاف هشاشة دفاعاته.. رحيل صادم للسير سوريل

الحادثة المزعومة
في عام 2017، واجهت شركة السير مارتن صعوبات جمة. تكتلات السلع الاستهلاكية المعبأة التي كانت أكبر عملائها – ذلك أن مجموعات مثل نستله Nestlé من جهة وشركة بروكتر آند جامبل Procter & Gamble – أخذت تخفض إنفاقها مع شبكة دبليو بي بي WPP للوكالات الإبداعية وشركات شراء وسائل الإعلام.
لعب المستثمرون الناشطون مثل نيلسون بيلتز، الذي قام ببناء مركز له في شركة بروكتر آند جامبل Procter & Gamble، دورا في خفض الإنفاق، وهو دور كان يؤثر في نمو شركة دبليو بي بي WPP.
ما خفض الإنتاج أيضا هو ظهور منصات فيسبوك وجوجل باعتبارهما المنصتين المهيمنتين في العالم للتسويق عبر الإنترنت، وظهور منافسة جديدة لشركة دبليو بي بي WPP على شكل شركات استشارية، مثل ديلويت وأكسنتشر Accenture وDeloitte، اللتين دخلتا مجال الإعلان.
داخل شركة دبليو بي بي WPP كانت هناك مخاوف ملِحَّة من أن السير مارتن لم يكن يتحرك بسرعة كافية للتصدي للسوق الرقمية الجديدة. وقال أحد الزملاء: "الصيغة التي حققناها والتي كانت ناجحة للغاية فقدت زخمها وتجاوزت تاريخ صلاحيتها".
وأضاف مسؤول تنفيذي سابق: "تعرض نموذج أعماله إلى الإجهاد في وقت كان فيه بعيدا عن اتجاهات المستهلكين التي تُعرِّض الشركة للضغط. لن تعرف ما تفكر فيه فتيات الـ 16 ربيعا عندما تقضي وقتك في دافوس."
خلال عام 2017 وفي 2018 خسرت أسهم شركة دبليو بي بي WPP ثلث قيمتها، وفوتت نتائجها التوقعات، وخفضت الشركة التوجيه بشأن الإيرادات. وأعلن عدد من العملاء الكبار، مثل بنك إتش إس بي سي HSBC، أنهم يجرون مراجعة لأعمالهم مع شركة دبليو بي بي WPP. كان السير مارتن تحت ضغط متزايد.
في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، طرد سائقه الذي خدمه لفترة طويلة. قوبل الفصل بالصدمة والحزن في الجناح التنفيذي - لأسباب ليس أقلها طول خدمة السائق - والتصميم على اتخاذ إجراء.
تحدي رئيس مهيمن مثل السير مارتن كان عملا محفوفا بالمخاطر، لكن المناخ تغير على مدار عام 2017 مع سقوط مذهل لمجموعة من الرجال الأقوياء في وسائل الإعلام وفي هوليوود.
الحقائق التي كشفت عنها "فاينانشيال تايمز" في كانون الثاني (يناير) الماضي، عن التحرش الجنسي في حفل العشاء الخيري الذي أقامه "نادي الرؤساء" - وهو تجمع لكل الذكور من نخبة رجال الأعمال يتضمن رعاية منتظمة من قبل شركة دبليو بي بي WPP على مدار 33 عاما - بمثابة عامل محفز آخر لاتخاذ إجراء.
فجأة أصبح الكلام حول السلوك غير اللائق من الذكور ممكنا، وفي نهاية المطاف اتخذ أحد موظفي شركة دبليو بي بي WPP الخطوة الجريئة.
بدأت الرحلة الشخصية للمبلغ عن المخالفات في السادس من حزيران (يونيو) 2017، عندما التقى الموظف وزميله في شيفرد ماركت Shepherd Market، وهي ساحة في مايفير معروفة بباراتها ومطاعمها. وهي أيضا إحدى مناطق الدعارة المتبقية في لندن.
كان ذلك ليلة الثلاثاء قبل الاجتماع العام السنوي لشركة دبليو بي بي WPP. زعم الزميلان أنهما شاهدا السير مارتن يدخل مبنى - وأخذا صورة للموقع، وهو المبنى رقم 50a في "شيفرد ماركت" حيث ظهرت الصورة بعد أشهر من ذلك في التحقيق في سوء السلوك.
من غير الواضح ما إذا كان الموظفان قد أخبرا أي شخص في الشركة بما شاهداه في ذلك الوقت.
وقد تم إخبار صحيفة "فاينانشيال تايمز" بأن شكاوى سابقة حول سلوكه لم تذهب في كثير من الأحيان إلى أبعد من سكرتيرة الشركة، ماري كيبس، التي عملت في شركة دبليو بي بي WPP لعقود من الزمن، وهي معروفة بولائها للسير مارتن.
وقد أحالت السيدة كيبس طلب صحيفة "فاينانشيال تايمز" التعليق على ذلك إلى شركة دبليو بي بي WPP، والتي قالت بدورها إن لدى الشركة خط مساعدة مستقلا ومعروفا على نطاق واسع، وهو "متاح لجميع الموظفين". . . الذين يرغبون في التعبير عن المخاوف".
وقالت الشركة "نتعامل مع هذه الادعاءات بجدية بالغة عندما تثار الأمور المحددة".
يؤكد عدد من الأشخاص أنه في الأشهر الأولى من عام 2018، خرج أحد الموظفين عن صمته وأخبر زميلا ذا درجة أعلى بما زعما أنهما شاهداه في ذلك المساء في حزيران (يونيو) 2017.
عقدت مناقشة بين كبار الزملاء في شركة فارم ستريت. ثم صدر قرار بأخذ الادعاء إلى كوارتا، بحسب شخص على علم بالاجتماع.
ونظرا لخطورة الادعاء بسوء السلوك الشخصي وإساءة الاستخدام المحتملة لأموال الشركة، فإن كوارتا والسيدة سليغمان، التي هي الآن عضو أعلى مستقل وغير تنفيذي في مجلس إدارة شركة دبليو بي بي WPP، عالجا هذه المسألة على أنها إبلاغ عن مخالفات. وأنشآ لجنة فرعية تابعة لمجلس الإدارة وتعاقدا مع شركة قانونية خارجية هي فيلمرهيل WilmerHale، لإجراء تحقيق مستقل بقيادة الشريك ستيفن بولارد.
تمت مقابلة السير مارتن لمدة ساعتين من قبل شركاء في هيلمرهيل WilmerHale في 29 آذار (مارس) الماضي، دون حضور محاميه الشخصي لأنه افترض أنها مسألة روتينية إلى حد ما. إضافة إلى المشاهدة المزعومة في "شيفرد ماركت" Shepherd Market، تم استجوابه حول أسلوب إدارته ومعاملة للموظفين. ونفى ارتكاب أي مخالفات.
التحقيق مع واحد من أشهر قادة الأعمال في بريطانيا، وهو خبير مشهور في إدارة سمعة الشركات العالمية - وكذلك شركته الخاصة - لم يكن حساسا بشكل غير عادي فحسب؛ بل أثار أيضا أسئلة حساسة لمجلس الإدارة حول مقدار الإفصاح للمساهمين وحق السير مارتن في الخصوصية.
بعد مقابلة مشحونة، فإن السير مارتن، الذي كانت تبدو عليه علامات الاكتئاب، فكر في الاستقالة. لبعض الوقت، كان يوازن مستقبله في شركة دبليو بي بي WPP. وشملت الخيارات بيع الشركة، أو فتح الطريق أمام خلف له، أو التعامل مع هذا الوضع الصعب.
في نهاية ذلك الأسبوع، كان السير مارتن يزن ما يجب القيام به، ويتشاور مع المحامين والعائلة والأصدقاء. وفي النهاية، اقترح حلا وسطا: يستمر كمدير تنفيذي لفترة انتقالية مع طرح هيكل إداري جديد بما في ذلك إنشاء اثنين من كبار الإداريين التشغيليين المشاركين، مارك ريد وأندرو سكوت.
ناقش السير مارتن خطة خلافته مع كوارتا يوم الثلاثاء الثالث من نيسان (أبريل) الماضي - بعد أربعة أيام من استجوابه من قبل شركة فيلمرهيل WilmerHale. وكان يرى أنه يتفاوض بحسن نية وتوقع استجابة سريعة، وفقا لشخص على دراية بتفكيره.
وبعد اختتام المناقشة بقليل، ولدهشة السير مارتن، كشفت صحيفة "وول ستريت جيرنال" عن وجود تحقيق يركز على سلوك السير مارتن الشخصي، وما إذا كان قد أساء استخدام أية أموال للشركة.
وكان كوارتا قد عيّن في هذا الوقت مستشار علاقات عامة مستقلا، هو رولاند رود، ليمثله هو والمجلس. كان تعيينه إضافة إلى المتحدثين الحاليين لشركة دبليو بي بي WPP ريتشارد أولدويرث وكريس ويد. وفي غضون ذلك، عزز السير مارتن فريقه القانوني، حيث وظف كوين إيمانويل إلى جانب محاميه الشخصي ريتشارد مسكيلا من شركة لويس سيلكين.
ما حدث بعد ذلك هو موضوع خلاف، وأصبح أكثر صعوبة بسبب شروط السرية المفروضة على جميع الأطراف كجزء من ترتيبات خروج السير مارتن. وتم نقل النتائج التي توصلت إليها فيلمرهيل WilmerHale إلى المجلس يوم الجمعة، 13 نيسان (أبريل) الماضي. ومع ذلك، لم يكن هناك أي تقرير مكتوب، ويقول أصدقاء السير مارتن إنه لا هو ولا مستشاريه أُعطوا الصورة الكاملة.

التحقيق.. ثم الاستقالة عقب الانكشاف
خلص التحقيق إلى أنه بعد التأكد من عدم وجود دليل على سوء استخدام أموال الشركة كما زُعم، فإن مبالغ الأموال المشكوك فيها كانت "غير مهمة نهائيا" ولم يتأثر بها أي موظف آخر في شركة دبليو بي بي WPP.
ولذلك قرر مجلس الإدارة أن المسألة هي إلى حد كبير قضية شخصية للسير مارتن نفسه. لذا فقد استقال في اليوم التالي، مساء السبت.
في الواقع، توصل السير مارتن إلى أن منصبه كرئيس تنفيذي لا يمكن الدفاع عنه، في غضون دقائق من التسريب مساء الثلاثاء الماضي. كان حريصا على ضمان حماية خصوصيته وأنه يمكنه الوفاء بشروط عقده، ما يسمح له بالخروج.
العقد الذي تمت الموافقة عليه في عام 2008 من قبل لادر، سلف كوارتا، كان "من جانب واحد إلى حد ما"، وفقا لما قاله شخص مطلع على أوضاع شركة دبليو بي بي WPP. ولم يتضمن شرطا بعدم التنافس، وسمح له بالخروج دون المساس بجميع حوافزه، ما لم يعثر المجلس على "سوء تصرف جسيم متعمد" أدى إلى "ضرر اقتصادي جوهري للشركة".
تم تفجير قنبلة أخرى مساء السبت الماضي، عندما تم الإبلاغ على نطاق واسع للمرة الأولى عن أن التحقيق الذي أجرته الشركة قبل خروج السير مارتن كان يركز على ما إذا كان قد زار بيتا مشبوها، واستخدم أموال شركة دبليو بي بي WPP في الدفع.
كان توقيت هذا الإفصاح لافتا للنظر بشكل كبير، حيث إنه جاء قبيل اجتماع المساهمين يوم الأربعاء الماضي، ووضع طبيعة التحقيق بشكل مباشر في المجال العام. وبصفته مساهما مهما في شركة دبليو بي بي WPP، يحق للسير مارتن حضور الاجتماع.
نفى ممثلو السير مارتن بشدة هذه المزاعم. وقالوا إن الادعاء المذكور لم يتم إلا بعد إقالة سائقه بعد نحو عام من الحدث المزعوم. وقالوا إن التحقيق لا ينطوي على مبالغ مهمة، وأضافوا "أن الادعاء لا يتعلق بأي شكل من الأشكال بدور السير مارتن في شركة دبليو بي بي WPP و. . . وهو ينفي وينكر بشدة أي سوء استخدام لأموال الشركة لأي غرض من الأغراض."

عواقب ما حدث
مع ذلك، الضجة العامة المباشرة التي أثارها رحيل السير مارتن دون المساس بأي من مكافآته وحوافزه وضعت كوارتا في موقف دفاعي.
يظل الرئيس التنفيذي السابق مخولا لجوائز الأسهم ذات الصلة بالأداء لمدة خمس دورات من خطة أسهم شركة دبليو بي بي WPP، والتي ستستمر حتى عام 2022. يصر أشخاص مقربون من الشركة على أنه بما أن أداء أسهم شركة دبليو بي بي WPP لم يكن جيدا خلال فترة الـ 18 شهرا قبل استقالة السير مارتن، فإن الدفع النهائي سوف يقل عن الحد الأقصى البالغ 1.65 مليون سهم - تبلغ قيمتها حاليا نحو 20 مليون جنيه – الذي يمكن أن يكون بسببه.
شاهد التنفيذيون من شركات الإعلان المنافسة الأحداث الأخيرة في شركة دبليو بي بي WPP مع مزيج من الشماتة والفتنة، ولكن هناك أيضا إحساسا بخيبة الأمل بين البعض لأن سيطرته على الشركة وصلت إلى نهاية مفاجئة ومشينة. وقال أحد كبار التنفيذيين في واحدة من أكبر الشركات المنافسة لشركة دبليو بي بي WPP، متحدثا بشكل خاص: “الأشخاص في شركة دبليو بي بي WPP معجبون به بشكل هائل، ولم يكونوا يريدون أن ينتهي على هذا النحو السيئ. يريد الناس أن يتذكروه كواحد من جبابرة الصناعة - وليس كشخص غبي ومُحرَج بسبب تصرفاته”.
خلال أسابيع من الاستقالة، عاد السير مارتن إلى الساحة العامة مع خطط للدخول في مشروع جديد للإعلان، مدعوما من آخرين مثل جيكوب روتشيلد، رجل المال البالغ من العمر 82 عاما.
السير مارتن مصمم على أن يكون له عمل ثان، حيث سيستمر في مهنته خلال قسم كبير من ثمانينيات العمر، مثل المستثمر الأسطوري وارن بافيت.
بيد أنه قد تم تحطيم هالته التي لا تقهر. الشركة التي بناها من لا شيء تترنح. وحيث إن الاجتماع السنوي العام قد حان، فأمام مجلس الإدارة أيضا كثير من الأسئلة التي يتعين عليه الإجابة عنها. هذا يعني أن التحقيق، قد بدأ، للتو.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES