المشراق

العوني قصائده تعلن الحرب.. وشخصيته تشبه المتنبي

محمد بن عبد الله العوني، شاعر سياسي ثائر، أشهر شعراء النبط في القرن الرابع عشر الهجري، اتصل بالملوك والأمراء والشيوخ في الجزيرة العربية، وكانت له عندهم مكانة مرموقة، لما يملكه من قدرات ومواهب. قيل إن قصائده تحرك الجيوش لتخوض غمار المعارك، فهو مؤجج الحماسة في النفوس، وملهب الأفئدة لتتقد شجاعة وبسالة وإقداما، شبهوه بشاعر العربية الكبير المتنبي.

ولادته ونشأته
في قرية الربيعية في القصيم ولد محمـــد بن عبد الله العوني عام 1275هـ تقريبا، ونشأ في كنف آل مهنا أبا الخيل، أمراء مدينة بريدة، وتربى مع أطفالهم، وخصوصا عبد العزيز العبد الله المهنا، الذي كان بينه وبين العوني صداقة حميمة ومودة أكيدة، لم تنقطع أواصرها إلا بوفاة عبد العزيز في معركة المليدا. درس العوني أحد في الكتاتيب، ثم انتقل مع والده الذي كان يعمل بنَّاء إلى مدينة بريدة، وهناك سمت نفسه إلى الاستزادة من العلم، فدرس على كبار علماء بريدة فترة من الزمن لكنه لم يستمر. وسافر بعدها إلى الكويت طلبا للرزق، وعمل في محل تجاري لأخواله، ولم يلبث سوى مدة قصيرة حتى آل هذا المحل إلى الإفلاس، فتعجب أخواله من ذلك، ونظروا في دفتر المبيعات فإذا بالعوني يبيع على نساء لا يعرفهن، وأمام جمالهن وإغرائهن يتغاضى بناء على طلبهن عن أخذ الثمن نقدا، ويسجله دينا في دفتر المبيعات: "عند المزيونة مبلغ وقدره، عند المليحة كذا، عند أم برقع، عند الطويلة، القصيرة.. فضاعت الأموال.
عاد العوني إلى نجد، وتنقل بين القصيم وحائل إبان حكم الأمير محمد بن رشيد (ت1315هــ) فاحتك بالحكام، ودخل معترك السياسة.
وفي تلك الفترة ذهب إلى مكة وزار الشريف عون في مجلسه الذي يكتظ بالشعراء النبطيين، ويروى أنه قال في هذه الزيارة قصيدته المهملة التي مطلعها:
هل الهلال وهامل الدمع مدرار
لا هل واهمل كالهلل ماطره هل

الأحوال السياسية
شهدت بداية القرن الرابع عشر امتداد حكم الأمير محمد بن رشيد (ت 1315هــ)، وكانت منطقة القصيم أهم محاور الصراع الدائر آنذاك وفي عام 1308هــ، وبعد معركة المليدا الحاسمة، دخلت هذه المنطقة تحت حكم الأمير محمد بن رشيد، وقتل في هذه المعركة عبد العزيز المهنا، أقرب شخص إلى قلب العوني، وصديق طفولته، فبكاه شاعرنا بعدة قصائد:
يالله عسى مزن نشا من هضابه
يمطر على قبر ورا الطعس من غاد
يا عنك قلبي ما سلا عن ترابه
بالحلم هو والعلم ناصيه رواد

أصلّ البيرق على البيرق
وقبل أن أواصل سردي للأحداث التاريخية، أحب أن أذكر هذه القصة اللطيفة التي حدثت لشاعرنا: في إحدى الليالي الباردة كان العوني مع أخيه حمد وبعض أصدقائه مجتمعين حول النار، فقام كل واحد منهم يفتخر بشجاعته وبطولاته، والعوني ساكت لا يتكلم، فطلبوا منه الكلام، واتهموه بقلة الشجاعة، فضحك العوني وقال: "يا حليلكم، أنا أصل البيرق على البيرق وأنا قاعد على هالضو أدحى عظمي"، أي أجعل الجيوش تتقاتل وأنا جالس عند هذه النار أشرب الدخان.
ربما في كلامه مبالغة، لكنه لا يخلو من حقيقة، فبعض قصائد العوني كان لها أثر كبير في نفوس المقاتلين، وزادت من حماستهم وشجاعتهم، بل دفعت كثيرا منهم إلى خوض المعركة، وسيتضح لنا ذلك جليا من خلال سياق الأحداث التاريخية التالية.

حربيات العوني تشعل الحروب
عرف أهل القصيم بالتجارة، وكانت لهم قوافل كبيرة تنطلق سنويا إلى العراق والشام ومصر، وغيرها من المناطق، ويسمون "العقيلات"، وكان كثير من العقيلات يمكثون سنوات طوالا في تلك البلاد دون الرجوع إلى موطنهم الأصلي. وهذا ما لم يرق للعوني فهو يريد منهم أن يعودوا إلى بلادهم ليخلصوها من خصمهم، فقال قصيدته المشهورة "الخلوج" وهي الناقة التي فقدت ولدها، فهي لا تهدأ ولا تستريح تبحث عنه وترتجي عودته، وهكذا القصيم، تريد أبناءها "أولاد علي" ليعودوا إلى حضنها ويحموها. يبدأ العوني قصيدته قائلا:
خلوج تجد القلب بتلا عوالها
تكسر بعبرات تحطمن سلالها
له قلت انا يا ناق كفى عن البكا
لا تبحثين النفس عما جرى لها
ثم بعد ذلك يركب نجابا على ناقة
سريعة ليصل إلى "العقيلات"، ويخبرهم بما حدث لبلادهم:

قل كل بلدان القصيم وغيرها عن الخوف
زاموا دون جاله رجالها
حذا داركم من عقبكم تندب الثرى
تبكي على الماضين واعزتالها
شيابكم تضرب على غير موجب
من عقب كبر الجاه تنتف سبالها
أولاد علي اليوم ذا وقت نفعكم
لا رحم أبو نفس تتاجر بمالها
أولاد علي اليوم ما هوب باكر
قوموا بعزم الليث ماضي افعالها
وما إن وصلت القصيدة إلى "أولاد علي" حتى استيقظت الحمية في نفوسهم، وقرروا تصفية تجارتهم، وجمعوا أموالهم واشتروا بها أسلحة وعادوا إلى بلادهم، وانضموا إلى راية الملك عبد العزيز.

معركة البكيرية
في عام 1321هـ وقعت معركة البكيرية، وهي معركة فاصلة مهمة، وفي بعض أيامها توقف القتال بين الطرفين، وساد الهـــــدوء، حتى مل جيــــش عبد العزيز ذلك، فجاء الأميران محمد بن عبد الرحمن وسعد بن عبد الرحمن أخوا عبد العزيز إلى العوني، وطلبا منه أن يكتب قصيدة حماسية يهيج فيها الملك عبد العزيز كي يواصل القتال، فوافق العوني ثم أنشد قصيدته الرائعة المشهورة:
منّي عليكم يا اهل العوجا سلامْ
واختص ابو تركي عمى عين الحريبْ
يا شـيخ باح الصبر من طول المقام
يا حامي الوندات يا ريف الغريب
اضـرب على الكايد ولا تسمع كلام
العز بالقلطات والراي الصليب
لو انت طعت الشور يا الحر القطام
ما كان حشت الدار واشقيت الحريب
اكرم هل العوجا مدابيس الظلام
هم درعك الضافي لْيَا بار الصحيب
واولاد علي دورهم يوم العتام
يحمون نار الحرب في حامي اللهيب
عينك الى سهرت يعافون المنام
غشٍ لغيرك وانت لك مثل الحليب
لي عسكر البارود واحمرّ الكتام
وتلافحت باذيالها شهب السبيب
والله ما يجلا عن الكبد الملام
إلا الموارت يوم تسمع له نحيب
ومصقلاتٍ كنّها نوض الغمام
بحدودها نفرق حبيبٍ من حبيب

وتدق الطبول وتبدأ العرضة النجدية، ويسمعها عبد العزيز وهو في خيمته فيطرب لها ويخرج شاهرا سيفه، ويشارك في هذه العرضة، ثم شن الحرب، وتم له النصر في النهاية.
ظل العوني جنديا في جيش الملك عبد العزيز، مواليا له، وفي عام (1326هـ) نرى العوني منضويا تحت جناح الأمير سعود بن عبد العزيز بن رشيد فأصبح من جلسائه الخاصين، ومستشاريه المقربين، وشارك في جميع المعارك التي خاضها، ومن أهم هذه المعارك: معركة جراب ومعركة الجوف، وفي هذه المعركة الأخيرة كان له دور كبير، وقال قصيدته التي نظمها على لسان الأمير سعود بن رشيد عام 1338هـ، ومطلعها:
راكب فوق حر يذعره ظله مثل طير
كفخ من يد قضا به
من سكاكا ترحل واترك الذلة واحذر الخوف
هاجوسك تمعنى به

سجنه ووفاته
ظل العوني عند آل رشيد معززا مقدما عند أمرائهم، حتى عام 1340هـ ثم أخذ العوني إلى الرياض لكن بدرت منه بعض التصرفات، ما دعا إلى سجنه في المصمك ثم نقل إلى سجن مدينة الأحساء "دباب إبراهيم" حيث توفي هناك، سنة 1343هـ، بعد أن فقد بصره.
وقد نظم العوني وهو في سجن الأحساء قصيدة لها شهرة ذائعة عرفت باسم "التوبة" مطلعها:
يا الله يا والي على كل والي
يا خير من يدعى لكشف الجليلة
يلجأ فيها إلى الله سبحانه وتعالى، ويعلن توبته واستغفاره، وهي قصيدة في غاية الروعة.

ديوان العوني
طبع ديوان العوني ضمن الجزء الثاني من كتاب "ديوان النبط"، ورغم أن هذه الطبعة أفضل مما جاء بعدها إلا أنها ما زالت ناقصة، وخلت من بعض القصائد المهمة، كما أن فيها كثيرا من الأخطاء المطبعية والتصحيفات، وفي النسخة المخطوطة التي اعتمد عليها الأستاذ الفرج عديدا من الخروم. أما الطبعات الأخرى التي جاءت بعد ذلك فمأخوذة غالبا من "ديوان النبط"، لذلك أهميتها قليلة مقارنة بــ "ديوان النبط".
أما النسخ المخطوطة من ديوان العوني، فأهمها على الإطلاق، النسخة التي أملاها عبد الكريم المكادي، راوية العوني، الذي حفظ الديوان مشافهة من العوني نفسه حينما كان مقيما في حائل، وهذه النسخة موجودة عند بعض الفضلاء. تليها في الأهمية النسخة التي كتبها الراوية عبد الرحمن الربيعي (ت1402 هـ) والنسخة التي كتبها الراوية محمد بن يحيى (ت 1410هـ)، وهناك نسخ أخرى كتبها بعض الرواة إلا أنها ثانوية.
وهناك عدة دراسات وبحوث مطبوعة عن العوني، لكن أهم ما كتب عن العوني هو ذلك الكتاب الذي ألفه الراحل فهد المارك بعنوان "تاريخ جيل في حياة رجل" وهو كتاب في غاية الأهمية، استقى معلوماته من أصدقاء العوني ورفاقه، ومن بعض الأمراء والزعماء والشيوخ الذين عاصروا تلك الفترة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق