غموض كوريا الشمالية يتبدد

|
قريبا جدا قد يشهد العالم رسميا توقيع معاهدة سلام دائمة بين الكوريتين على خلفية التطبيع المتوقع للعلاقات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، فيسدل الستار بذلك نهائيا على حقبة مريرة دامت 68 عاما، تخللتها الحرب الكورية (1950 ــ 1953) البشعة، التي أودت بحياة نحو مليون كوري جنوبي مدني، وشردت ملايين أخرى منهم، إضافة إلى جرح نحو 600 ألف عنصر من القوات الأممية والكورية الجنوبية، وأكثر من 1.6 مليون من القوات الشمالية. كما تخللتها حروب دعائية وجاسوسية وملاحقات ومطاردات وقلق دائم من عودة الحرب، وتهديدات مستمرة من قبل بيونجيانج ضد سيئول بالغزو والاجتياح. في ظل تلك الحقبة، ترسخت أيضا ظاهرة عبادة الفرد في كوريا الشمالية، فصار زعيمها المؤسس كيم إيل سونج محور كل شيء، وواضع كل الكتب والنظريات، ومهندس كل البرامج والمشاريع، حيث أطلقت عليه ألقاب لا حصر لها مثل: الأب الحاكم، المنظر الشامل، القائد المبجل العزيز، المفكر العظيم، والرجل السماوي، وغيرها من الألقاب المفخمة التي أورث بعضها لولي عهده كيم جونج إيلج، وهي الألقاب نفسها التي انتقل بعضها من الأخير إلى زعيم البلاد الحالي كيم جونج أون. حكم آل كيم كوريا الشمالية بقبضة حديدية تجاوزت تلك التي مارسها ستالين في حكم الاتحاد السوفياتي السابق، وفرضوا عليها عزلة قاتمة، الأمر الذي جعل ما يدور بداخلها غامضا ومحلا للتكهنات والتضارب، بما في ذلك أسماء الأشخاص المتنفذين أو المسؤولين في أجهزة السلطة. ولولا حرص السلطات في سيئول على رصد ومتابعة وتحليل كل ما يصدر عن إعلام بيونجيانج وأقوال المنشقين الشماليين، لما عرف العالم أحدا من مسؤولي كوريا الشمالية سوى الجد والابن والحفيد، كأسماء فقط دون التفاصيل الدقيقة حول سيرهم وحياتهم الخاصة. ودليلنا الأقرب هو أنه إلى ما قبل وفاة كيم جونج إيل كان أبناؤه غير معروفين للعامة. فمثلا خليفته كيم جونج أون كان يعيش حياة سرية، ولا يعرف أحد سنة ميلاده، وشقيقه كيم جونج شول نادرا ما شوهد علنا، لكن أخاهما غير الشقيق كيم جونج نام، الذي كان قد هرب إلى ماكاو ليعيش فيها حياة باذخة، كثيرا ما ظهر في وسائل الإعلام الأجنبية منتقدا نظام الوراثة في بلاده. ولهذا السبب تم التخلص منه بالقتل في ماليزيا على يد أشخاص تم تجنيدهم لذلك الغرض من قبل مخابرات بيونجيانج. غير أنه منذ وقت قريب صارت أسماء كورية شمالية تتردد في وسائل الإعلام، على الرغم من استمرار حالة الغموض المحيطة بدورها الحقيقي في نظام كيم جونج أون ومدى قربها من الأخير. كانت البداية ـــ بطبيعة الحال ـــ في كانون الأول (ديسمبر) 2013، حينما تعرف العالم على عمة الزعيم كيم جونج أونج السيدة كيم كونج هوي وزوجها جانج سونج تايك، وذلك في أعقاب اتهام الزعيم لزوج عمته بمحاولة انقلابية لمصلحة أخيه غير الشقيق كيم جونج نام، فأعدمه "برميه عاريا لنحو 20 كلبا جائعا متوحشا" دون محاكمة ودون قبول شفاعة عمته التي اعتمد على نصائحها في بدايات توليه السلطة، قبل أن يجبر عمته على شرب زجاجة من السم بسبب كثرة شكواها من إعدام زوجها. بعدها عرف العالم أن للزعيم كيم زوجة حسناء هي المغنية السابقة ري سول جو، التي راحت تظهر إلى جانبه في المناسبات العامة في خرق للتقاليد التي سارت عليها العائلة الحاكمة. ثم تعرف الخارج على وزير الدفاع والرجل الثالث في الجيش هيون يونج تشول في أيار (مايو) 2015، بعد أن أعدمه الزعيم بمدفع مضاد للطائرات في ساحة عامة بتهمة الخيانة، في حين أن خيانته تمثلت في ظهوره في أحد الاجتماعات التي ترأسها الزعيم وقد غلبه النعاس. الشخصية الأخرى التي تردد اسمها بعد ذلك في الخارج، كانت وزير الأمن العام أو سانج هون، الذي تم إعدامه بحرقه بكرات اللهب في نيسان (أبريل) 2016؛ بسبب ما قيل عن صلاته بزوج عمة الزعيم في المحاولة الانقلابية المشار إليها آنفا. أما على هامش دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي أقيمت في كوريا الجنوبية في شباط (فبراير) 2018، فقد سلطت الأضواء على السيدة كيم يو جونج شقيقة الزعيم الكوري الشمالي التي كانت ضمن الوفد الرسمي إلى الأولمبياد برئاسة كيم يونج نام رئيس مجلس الشعب الأعلى، فتعرف العالم عليهما. وأخيرا، وعلى هامش الحراك المتسارع للإعداد لأول قمة أمريكية ـــ كورية شمالية في سنغافورة، تردد اسم شخصية أخرى، يقال إن لها نفوذا في دوائر السلطة في بيونجيانج وهي الجنرال جكيم يونج شول، الذي زار أخيرا واشنطن كأول مسؤول كوري شمالي تطأ قدماه الأرض الأمريكية، الذي وصفه البعض بأنه مسؤول كوري شمالي كبير، والبعض الآخر باليد اليمنى للرئيس كيم جونج أون، والبعض الثالث برئيس الاستخبارات السابق الذي خطط لكثير من الأعمال الإجرامية في الماضي، مثل أعمال القرصنة الإلكترونية، وإغراق السفينة الحربية "شيونان" التابعة لكوريا الجنوبية عام 2010. وبغض النظر عن المنصب الذي يشغله هذا الرجل، فالمؤكد أنه يحظى بثقة زعيمه، وإلا لما احتفظ برأسه ونجا من الإعدامات المتكررة، التي طالت مجموعات من كبار المسؤولين والمحيطين بالزعيم بمن فيهم عشيقته السابقة المغنية هيون سونج وول، التي أعدمها مع عشرة فنانين آخرين أمام أنظار عائلاتهم في آب (أغسطس) 2014 بتهمة انتهاك القوانين الخاصة بالمواد الإباحية.
إنشرها