العيد .. وعزيمة «أبو ناصر»

|
في عيد العام الماضي كنت في وليمة أقامها صديقي أبو محمد على شرف سلامة أخينا أبو ناصر، بعد أن تعافى من جلطة كانت في القلب، وكان يعاني عدة أمراض "سكر، ضغط وارتجاع في المريء" ولأني طبيبهما التجميلي "الخاص" أجلساني في صدر المجلس وتقمصت شخصية الوصي الطبي على الحضور، وتحول المجلس إلى محاضرة طبية عقبتها أسئلة عن جميع الأمراض من قلب وكبد وغيرها، مع أنني طبيب جلدية فقط، وقد اجتهدت أن أرضي كل سائل بما أملك من العلم واعتذرت عن البعض لقصور علمي في التخصصات الأخرى. كم كان سرور أبو محمد أن ديوانيته أصبحت ذات طابع ثقافي صحي. أول ما قدم لضيوفه طبعا كالمعتاد هو القهوة فثارت نخوتي الطبية على قهوتنا العربية، حيث إنها تزيد من ارتجاع المريء فارتشف فنجان القهوة ولم يكمله، وما إن امتدت يده للتمر، حتى بدأت أحسب سعراته الحرارية، وأنه يزيد من السكر فلم يكمل تمرته، ولا سيما أنني ذكرت أن زيادة السكر تسبب انسدادا في شرايين الكلية والعين، وكان يرتعد كلما ذكرت الشرايين ولا سيما أنه منذ أيام تعافى من جلطة القلب بسبب انسداد الشرايين، ثم وزع الشاي، وهو ينظر إليّ يريد الإذن البصري بإضافة "سكر دايت" وحذرته بأن بعض الدراسات تقول إنه يسبب السرطان فشربه دون سكر، وما هي إلا دقائق وجاء وقت البخور فتحدثت عن قصة الشايب الذي توفي بسبب سرطان الرئة من كثرة البخور؛ فمرت المبخرة مرور الكرام "دورة واحدة فقط" ثم قال أبو محمد تفضلوا على شرف صحة أبو ناصر و"قلطنا" على مفاطيح وخيرات، وأجلسني أبو ناصر بجانبه احتفاء بي أيضا. ولم تتوقف تلك المحاضرة الصحية المشوقة، وبدأ التحذير من الدهون وأنواعها المشبع والحيواني والنباتي والتحذير من الإكثار منها يسبب الكولسترول، وحذرت من اللحم لأنه يسبب داء النقرس. بدأت أحس بانزعاج الضيوف من كثرة النصائح الطبية، واختلى بي أبو محمد وقال أعرف أنك طبيب جلدية مشهور ومتميز لكن ما هكذا تورد الإبل، لقد حجرت على ضيوفنا ونشرت رعبا وإرهابا صحيا. أنصحك بعدم ذكر أي نصائح طبية في حضرة أي عزيمة واقتصر على الإعلام وقاعات المحاضرات أو اللقاءات الاجتماعية؛ فالناس تريد فسحة من ضيق الدنيا. "تراكم غثيتونا يا معشر الأطباء، خلونا نموت سنتين قبل موعدنا بس نتهنى بأكلنا. وذكرني أن أفضل حمية هي حمية الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه)، خلونا نأكل كل شيء لكن قليلا لا يضر، ونعدكم بألا نشبع بس نتهنى بذواقة كل شيء قليلا". أنا أوافق رأي أبو محمد أننا معشر الأطباء زودناها حبتين بدقة المعلومات الأكاديمية، وضيقنا واسعا أحيانا، ولابد أن نراجع أسلوبنا في النصائح الطبية؛ لكيلا يبتعد عنا الناس كثيرا، وأن تكون نصائحنا واقعية وعملية، وأقول للمرضى وللأطباء تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. عذرا لكل من أسهمت في جعل حياته الغذائية صعبة بسبب حماسي الطبي. استشاري الأمراض الجلدية
إنشرها