FINANCIAL TIMES

البيانات تنجب المولود الأكثر قبحا للتفكير الجماعي

عالم النفس الذي قدم كثيرا لنشر نظرية التفكير الجماعي، سيكون قد بلغ المائة عام من العمر هذا الشهر لو أنه بقي على قيد الحياة.
من المدهش أن نصف قرن قد مر منذ أن نشر إيرفينج جانيس الدراسة التي اكتشفت أن التفكير الجماعي هو السبب في الكوارث المتعلقة بالسياسة الخارجية مثل الغزو الأمريكي لخليج الخنازير في كوبا، والفشل في التنبؤ بالهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر، وتصعيد الحرب الفيتنامية.
يوجد كثير من النتائج غير السارة. حدد جانيس معظم الطرق الأساسية للحد من هذا الخلل من خلال عملية صنع القرار الجماعي في السبعينيات. لكن التفكير الجماعي لا يزال يحدِث الشلل في حركة مجالس إدارة الشركات، ويقود السياسيين إلى خوض مغامرات عسكرية مضللة، ويهدد الاستقرار الاقتصادي. وقد ألقي عليه اللوم في غزو العراق واحتلاله سيئ الذكر، وفضيحة الانبعاثات في شركة فولكسفاجن (من بين كثير من المصائب الأخرى التي عانت منها الشركات)، وحالات الفشل في توقع الأزمة المالية، وحتى الحوكمة الهشة لشركة تسلا لصناعة السيارات بقيادة إيلون ماسك.
تمتع علماء الاجتماع بفرص جيدة للغاية وهم يحاولون اختبار ما وصفه جانيس. وتوصلوا إلى نتيجة شبه قاطعة مفادها أن القيادة المحايدة أمر مهم لتجنب التفكير الجماعي. كرئيس، إن بدأت الاجتماع بالإعلان عما تتوقع أن يحققه الاجتماع، حينها يمكنك ضمان الحصول على موافقة المشاركين الأصغر بشكل أو بآخر، سواء كانوا يرون أو لا يرون أن الخطة صحيحة أو حتى معقولة.
لكن كثيرا مما قاله جانيس هي أمور يصعب برهانها. فبعض أفكاره ليست فعالة بقدر ما كانت تبدو عليه في البداية. تشجيع الاعتراضات أمر مهم. لكن إن أخذت بوصفة جانيس وعينت شخصا بشكل عشوائي (يسمى مجازا ممثل الشيطان) للوقوف في وجه قرار ما، سيكون من الصعب جدا تحويل قرار المجموعة المتحيز بالإجماع. المطلوب هو شيطان، وليس فقط ممثلا عنه. الشخص الذي يكره الخطة حقا يمكن أن يستفز المجموعة لكي تتوصل إلى حلول أفضل. مثلا، مطعم الوجبات السريعة "بالز سادن سيرفس" المفاجئة" Pal’s Sudden Service يجري اختبارا للأفكار في ثلاثة محال - أحدها محايد بالنسبة للخطة، والآخر مؤيد لها، والأخير معارض لها - قبل فرضها على سلسلة المحال بأكملها.
المفتاح لهذه الأمور، وفقا لما تقوله فرانتشيسكا جينو (التي ألفت كتابا يشتمل على مثال مطعم بالز)، هو العثور على طرق للتغلب على ميولنا نحو الانتظام مع المجموع، سواء مع التقاليد، أو مع توقعاتنا نحن بشأن السلوك المقبول.
على الرغم من ذلك يستمر التفكير الجماعي لأن اتخاذ قرارات أفضل أمر أصعب ويستغرق وقتا أطول. الأساليب العلاجية الأصلية التي قدمها جانيس للتفكير الجماعي اشتملت على تكليف مجموعات متعددة أو مجموعات فرعية بالمعضلة - وهو حل من المحتمل أن يكون مطولا بشكل ممل. يعمل الاحتكاك على تحفيز أفكار جديدة، لكن ذلك يمكن أن يكون مؤلما. تعمل شركة هوندا لصناعة السيارات على حل مشاكلها من خلال مناقشات منهِكة أحيانا، تعرف باسم "وايجايا"، يمكن أن تدوم أشهرا.
تجميع فريق متنوع – وهو حل آخر - أمر يتطلب حذقا ومهارة بالقدر نفسه. إذ لا يتعين فقط أن يبدو على الأعضاء أنهم مختلفون، بل يجب أن يفكروا بطريقة مختلفة. ساعدت أخيرا في اختيار متقدمين لوظيفة في صحيفة "فاينانشيال تايمز" من خلال عملية تفحص سرية. تحية لضربة أخرى واجبة منذ أمد طويل نوجهها ضد التحيز. لكن العملية كانت مرهقة واستغرقت وقتا طويلا.
بعد أن يتم اختيار الفريق، حاول إدارة شؤون هذه المجموعة من الناس. فالفرق المتجانسة تسير أمورها بشكل أسهل. تبدو عملية اتخاذ القرار سهلة ولا تحتاج إلى بذل مجهود. نتيجة لذلك، يمكن أن تكون مثل هذه المجموعات مفرطة في ثقتها بشكل خطير حول صحة أفكارها. لكن في بعض الظروف المحدودة - لنقل مثلا حيث يحتاج الأفراد للتنسيق فيما بينهم بشأن أداء مهمة محددة - ربما يتفوق الفريق الأقل تنوعا في أدائه على الفرق المكونة من أفراد متمردين.
لا عجب في أن القادة الذين أنهكتهم دعوات الابتكار ورسم الاستراتيجيات بشكل سريع وبلا هوادة، يشعرون بالإغراء للميل بالفطرة نحو اختيار الخيار الأبسط والأسرع.
وفي هذه الأثناء، انقسم التفكير الاجتماعي وتكاثر، حيث تلقى العون من أدوات قوية كانت غير متاحة إلى حد كبير حين مات جانيس في عام 1990.
في مؤتمر نظمته أخيرا صحيفة "فاينانشيال تايمز" حول "سرعة الابتكار"، أشار أحد المشاركين إلى خطورة "التفكير الصناعي"، مثل سلوك المصارف التي واصلت الرقص إلى أن توقفت الموسيقى قبل الأزمة المالية.
هناك تهديد أكثر حداثة هو "تفكير الزبائن"، وهو الافتراض الذي يقول إنه، نظرا لأن من الممكن حاليا الاستفادة عمليا من آراء الزبائن، فأنت تعلم تماما ما يحتاجونه وما يريدونه.
وكما أشار مشارك آخر، رغم الاستمرار في التماس أصوات النزلاء، فإن أصحاب الفنادق فشلوا في إدراك أن الأفراد من غير العملاء ممن لم يسمعوا منهم قط كانوا على استعداد لتلقي خدمة جديدة كليا تقدمها "إيربنب".
أخيرا، هناك المولود الأكثر قبحا للتفكير الجماعي: التفكير على أساس البيانات.
الخطر في الاعتماد على معلومات متطابقة، هو أن الجميع سيكون مخطئا إزاء الأمر نفسه وفي الوقت نفسه، وأوشك ذلك أن يتسبب في انهيار صندوق التحوط "لونج تيرم كابيتال مانيجمنت" في عام 1998، وبالتالي النظام المالي.
الآن أصبحت مثل هذه البيانات متوافرة للجميع، ما أدى إلى تضخيم حس القادة بأنهم عالمون بكل شيء.
يجب أن يستمر السعي نحو القضاء على التفكير الجماعي. لكن لو كان جانيس لا يزال على قيد الحياة، فإنه سيشعر بالقلق أيضا إزاء وجود تهديدات جديدة لعملية صناعة القرارات السليمة - الإذعان للبيانات ولحكمة الجمهور.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES