للإصلاح الاقتصادي .. أوقفوا رهن الراتب للمصارف

|
لا أحد يشك أبدا في الدور الكارثي الذي قام به الائتمان الرديء في الأزمة المالية العالمية، والائتمان الرديء هو الذي يتم من خلاله منح الأصول بأنواعها المختلفة بضمانات هشة بعيدا عن التقييم الحقيقي للأصول نفسها في مقابل الدين، وفي تقييم قدرة المدين على السداد في المدى الطويل. للتوضيح فقد بلغ من تدافع المصارف الأمريكية -الاستثمارية خاصة- على منح القروض لدرجة لم تعد قيمة القرض وفوائده تقاس بقيمة الأصل الحقيقية. فالقاعدة أن قيمة القرض وقيمة الأصل متساوية، فلو كان عمر القرض بعمر الأصل لكانت قيمتيهما في نهاية فترة القرض تساوي صفرا. بمعنى آخر فليس من المتوقع أن يحقق المدين من الأصل أكثر من قيمة قرضه فيما لو قرر بيعه في أي لحظة، وطبعا الفوائد هي قيمة الزمن الذي سيضاف إلى سعر الأصل مع مرور الوقت للحفاظ على رأس المال. ومع مرور الوقت نستهلك ثلاثة عناصر، الأول: خدمات الأصل فتقل قيمته تبعا لذلك، والثاني: القرض بدفع القسط، والثالث: قيمة الزمن بدفع الفائدة. لهذا عندما يتم استهلاك كامل خدمات الأصل فقد تم دفع كامل قيمة القرض والزمن، ولا أريد أن أطيل الشرح هنا، لكن المقصود أن قيمة القرض يجب قطعا أن تعادل قيمة الأصل الحقيقية. يحصل الائتمان الرديء عندما تنفصل قيمة القرض عن قيمة الأصل، لأسباب أهمها إيجاد ضمانات للقرض غير الأصل نفسه، مثل رهن الراتب كما يحصل لدينا الآن. خطورة الأمر أن المصارف لم تعد تعير قيمة الأصل أهمية، ولهذا تهتم بضمان دفع القسط في وقته اقتصاصا من الراتب من خلال الأمر المستدام. فعندما يقوم أحدهم بطلب تمويل لشراء منزل فإن المصرف لا يهتم كثيرا بقيمة المنزل وحقيقتها والتثمين وجديته ولا يقيم مخاطر السوق العقارية وقدرتها على التسعير الصحيح، فالمهم لديه هو عمر المقترض ووظيفته وصافي دخله والأقساط وقوة السجل الائتماني، وإذا كان هناك بعض التقييم للعقار فهو تقييم شكلي، ومثل هذا في تمويل شراء الأسهم والسيارات. وقد يقول قائل إنه لا مشاحة حول الضمانات طالما المقصد يتحقق وهو قدرة المصرف على استرداد قيمة القرض. لكن الصورة ليست كذلك أبدا، بل هذا يقود إلى خلل اقتصادي عميق جدا ولا يمكن إصلاحه بسهولة. القروض ليست البيوع، وهذا مفهوم، عندما يقوم المصرف بدور المقرض فإن العقد هو مقام العمل وهو مناط الحكم، إذ إن المصرف يمنح المقترض مبلغا من المال ويريد أن يسترده بعد مدة من الزمن. النقدية لا تستهلك، ولهذا فإن على المقترض دفع كامل المستحق نقدا حتى يصبح قيمة القرض صفرا "إذا استبعدنا قيمة الزمن من هذا النقاش"، فالأصل في المداينة هو العقد المشهود عليه، كما قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه"، ثم قال جل ثناؤه "وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة"، فالرهن يقوم مقام العقد في الدين بشروط فصلها أهل الفقه، لكن هنا نجد الرهن مقام العقد وليس بيعا وليس تثمينا وليس تسعيرا، ولهذا قد لا يهم تقييم الرهن طالما هناك اتفاق بين الطرفين ليؤدي الرهن دور وسيط للثقة. لكن إذا كانت العملية بيعا وشراء، والأصل هو محل الضمان والرهن، فإن تقييم الأصل أمر لا مفر منه، إذ إنه هو الضمانة الوحيدة لدى البائع لاسترداد القيمة، فلو تم شراء سيارة بالأجل وكانت قيمة السيارة 100 ألف ريال، ثم تم التوقف بعد سنة فإن قيمة بيع السيارة نقدا يجب أن تعادل قيمة المتبقي من القرض. وهكذا في العقارات، لكن إذا كان هناك رهن آخر غير السيارة فإنه من المتوقع -وقد أصر المصرف على ذلك- أن قيمة القرض أكبر من قيمة الأصل، لهذا تطلب الأمر رهنا آخر، وإذا كانت الحالة هذه فكيف تم تقييم سعر الأصل الذي باعه المصرف؟. والصورة أنه عندما يريد أحدهم شراء أسهم أو سيارة أو عقار من المصرف، فالمفروض أن السعر عادل جدا، وأن ما أخذه المصرف من فوائد تعادل قيمة الزمن فقط وهي قيمة صغيرة جدا اليوم. وإذا كانت الحال هذه فإن أخذ رهن آخر لا معنى له. يجب على مؤسسة النقد منع ذلك لأنه يقيد الأصول في الاقتصاد ويعطل الإنتاجية بلا فائدة حقيقية. الحالة الثانية: أن سعر الأصل غير عادل وغير صحيح وهو مبالغ فيه بشكل واضح، والمصرف يعرف ذلك ويدرك أن قيمة الأصل لا تغطي القرض ولهذا يطلب رهنا إضافيا، فإذا كانت المسألة هكذا فكيف يسمح للمصارف بالقيام بمثل هذا التسعير الظالم، الذي أضر بالاقتصاد بشكل متتابع سواء في كارثة سوق الأسهم 2006 أو العقار الآن. فإن قيل إن المصارف لا تعلم لأن البيع يتم عن طريق نظام بيع الآمر بالشراء، ولهذا لا تهتم بصحة التقييم طالما المشتري موافق، ولكن القول بمثل هذا يخرج عملية البيع للأمر بالشراء من جوهرها وتصبح صورية، وعندئذ فالأصل هو الدين بالرهن وصورة البيع للتوهيم، وهذا القول خطير. أوقفوا رهن الراتب للمصارف تصحيحا للمسار، خاصة المصارف التي تقوم بعمليات بيع الأصول بأي صورة، يجب أن يكون الرهن هو الأصل نفسه حتى يتم سداد قيمته، هذا هو المسار الصحيح الذي سيجبر المصارف على عدم التوسع في الإقراض دون تقييم حقيقي، خاصة إذا فقدت الأسواق وعيها لأي سبب فإن تقييم المصارف للمخاطر يكون ضمانة للاقتصاد، هذا هو الذي سيتم من خلاله إصلاح الأسواق والأسعار، هذا هو الذي سينعش سوق التثمين ومهنة المحاماة وسوق تأمين وإصلاحات شاملة في المحاسبة، رهن الراتب قادنا إلى مسارات أدت إلى تدهور قدرتنا على فهم وتحديد القيمة وتقييم مخاطر الأسواق، وبالتالي نتجت آثار خطيرة على معنى الثروة والدخل.
إنشرها