النفط وتنبؤات المحللين

|
في مستهل عام 2008، كنت في مؤتمر دولي في الولايات المتحدة لمناقشة اقتصادات الإعلام Media Economics، وهو فرع معرفي رغم حداثته أخذ بالتوسع في جامعات الغرب. والمؤتمرات العلمية تبدأ في الغالب بمحاضرات عامة يلقيها كبار العلماء والمختصين في الحقل العلمي، الذي يبحث المؤتمرون فيه. وألقى في الجلسة الافتتاحية أستاذ في حقل اقتصادات الإعلام يشار إليه بالبنان محاضرة عن مستقبل شركات الإعلام. ووضع الباحث لنا تخطيطات ونماذج لتوقعات مذهلة حول مستقبل اقتصادات الإعلام. وكانت طروحاته من المنطق والموضوعية ما كان سيجعل أي مستثمر في القاعة يهرع فور نهاية المحاضرة إلى ضخ ثروته في سلة هذه الشركات. الإعلام يغطي الدراسات التي يضعها الأكاديميون في اختصاصاتهم، ولا سيما عندما تكون الأبحاث ذات صبغة علمية؛ أي هدفها التفاعل مع الممارسة في الحقل الذي تبحث فيه. بيد أن أغلب الدراسات العلمية الرصينة، وخصوصا التي تخصص حيزا للآثار المحتملة في الحقل الذي تبحث فيه، يضع أصحابها في مقدمتها عبارة "في حالة ثبات العوامل الأخرى". لا بل يكتب البعض جملا أو عبارات، في حال تقديم تنبؤات، تنذر القارئ بأن النتائج والآثار قد لا تنطبق على حالات أخرى عند التعامل مع معطيات مختلفة. وهذا بالضبط ما فات الأستاذ الأكاديمي في المؤتمر التركيز عليه، ولهذا جاءت محاضرته وتحليله ونتائجه وكأن العوامل ستبقى ثابتة، والأوضاع لن تتغير، وأن عالم اليوم مستقر وراسخ. في حينه "مستهل عام 2008"، كانت أسعار النفط تلامس 150 دولارا للبرميل، وكانت دنيا المصارف الغربية بخير، وهي تقرض دون حساب، وتحقق أرباحا كبيرة. ولكن لم تمض إلا فترة قصيرة وصار العالم وجها لوجه أمام أزمة مالية خانقة، كادت تخنق الاقتصاد العالمي وتسقط النظام المالي أرضا. ولم تمض بضع سنين حتى انهارت أسعار النفط، وهبطت إلى أقل من 30 دولارا عام 2014. الهبوط الحاد هذا جعل كثيرا من المحللين يتنبأ بأن الأسعار العالية للنفط صارت شيئا من الماضي، وأن العالم - وخصوصا الدول النفطية - عليه التأقلم مع أسعار متدنية. ونحن الآن في نحو منتصف عام 2018 وإذا بالأسعار تقترب من سقف 80 دولارا، وإن أخذنا ما يقوله بعض المحللين والمتنبئين في الحسبان، قد لا يمضي وقت طويل حتى يسترجع النفط كل ما خسره من قيمة منذ عام 2014. وإن نظرنا بتمعن إلى الفترة منذ الهبوط الحاد للأسعار عام 2014 حتى اليوم، فسنرى أن العوامل الجيوبوليتيكية كانت المسبب الأكبر لعدم استقرار أسعار هذه المادة الاستراتيجية. لنلق نظرة على أبرز الأحداث التي وقعت منذ نحو أربع سنوات بعد آخر انهيار لأسعار النفط: توقيع الاتفاق النووي مع إيران، الذي بموجبه زادت طهران من مبيعاتها بشكل لافت للنظر. إلغاء الاتفاق من قبل الولايات المتحدة الذي بموجبه، مهما حاول الأوروبيون والصينيون والروس التشبث بالاتفاق، فسيؤدي إلى خفض كبير لتصدير النفط من إيران. وجود إدارة أمريكية جديدة تتعامل بشكل مختلف مع العالم، لا يمكن فيه التنبؤ بخطواتها وسياساتها. مشكلات في فنزويلا تخفض معدلات تصدير النفط بنسب عالية. قلاقل في ليبيا ونيجيريا وهما بلدان نفطيان رئيسان. اتفاق دول "أوبك"، ولا سيما المملكة العربية السعودية، مع منتجين خارج المنظمة، ولا سيما روسيا، على خفض الإنتاج وزيادة الأسعار. والوضع قبل الاتفاق النووي وبعد إلغائه من قبل الولايات المتحدة مرشح للتأزم في منطقة الخليج. اقتصادات ناشئة ونمور اقتصادية جديدة تظهر على مسرح الاقتصاد العالمي، ونموها يزيد من عطشها للنفط. بروز الولايات المتحدة كأكبر منتج للنفط في العالم؛ حيث يتوقع أن يصل إنتاجها هذا العام إلى 10.7 مليون برميل، و12 مليون برميل العام المقبل. هل في إمكان أي محلل أن يتنبأ بصدق بمسار أسعار النفط في خضم عالم تفرض فيه الولايات المتحدة ضرائب على الواردات من الدول الغربية الحليفة التقليدية لها؟ هل في إمكان أي محلل أن يتنبأ بصدق بمسار الدنيا التي نعيش عليها اليوم؟ ومن هنا، من الصعوبة بمكان تقدير أو تخمين سعر النفط في باطن الأرض. ومن الصعوبة بمكان معرفة أي مسار ستتجه إليه أسعار النفط في السنين أو ربما الأشهر المقبلة.
إنشرها