أخبار اقتصادية- عالمية

قبضة الليرة أم قبضة أردوغان .. تركيا في أزمة

تستعد المنطقة لتعيش مرحلة أصعب من هذه المرحلة، فالسنوات الخمس القادمة مصيرية في تاريخ بعض الدول وخصوصا تركيا، ستشهد سنة 2023 انتهاء اتفاق لوزان الثاني، وهي المعاهدة التي فرضها الحلفاء المنتصرون على الإمبراطورية العثمانية، وتقلصت بفعلها المساحة العثمانية ومنعت تركيا من التنقيب عن النفط وأخذ رسوم على السفن التي تعبر البسفور.
وتسعى تركيا للحفاظ على قوتها ونفوذها في السنوات الخمس المقبلة، لتستعيد النفوذ العثماني في شمال سورية وشمال العراق (حقول النفط) وشمال إفريقيا، وهذا أحد الأسباب في التحالف مع الإخوان وإيران.
وتعيش منطقة الشرق الأوسط حالة تشكيل الخريطة السياسية، إذ تعد الفوضى التي حدثت وسقوط الحكومات فرصة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يستغلها، ليسهم فيها مع الإخوان من أجل مزيد من السلطة والنفوذ، إذ يطلب من الشعب دعم الليرة التركية من خلال تحويل دولارات المدخرات إلى ليرة، بهدف الطلب على الليرة لرفع سعر صرفها، وفي ذلك دلالة على نية الرئيس تحميل أعباء السنوات المتبقية من المعاهدة للشعب التركي.
ويخطط الرئيس التركي إصلاح الاقتصاد بعد انتهاء المعاهدة، على نهج الرئيس النازي هتلر، والذي كان يقول: "بعد أن انتصر سأعدل الاقتصاد".
بدورها، أعلنت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، عن" أن الضعف المزمن في العملة التركية سيكون له أثر سلبي لتصنيف ديونها السيادية وإشكالي للاقتصاد، مشيرة إلى الدرجة العالية من الانكشاف الخارجي وتدني احتياطيات النقد الأجنبي، إذ ذكرت "موديز" في تقرير عن التوقعات الائتمانية أن الليرة معرضة لتجدد الضغوط إذا أرجأت السلطات تنفيذ تعهدات التحرك لمواجهة ضعف الليرة عن طريق رفع سعر الفائدة.

انهيار الليرة
وتواصل الليرة التركية تراجعها الحاد مقابل الدولار مع قيام المستثمرين بدفع العملة إلى مستويات منخفضة جديدة وسط قلق متنام بشأن قبضة أردوغان على السياسة النقدية، ولا يزال الغموض يلفّ الانهيار المتواصل لليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، الذي حقّق مستوى قياسيا جديدا بافتتاح السوق التركية أخيرا، لتصل إلى 4.92 للدولار الواحد.
وكانت العملة التركية قد سجلت تراجعا لتفقد 21 في المائة من قيمتها منذ بداية السنة، وسبق وأن توقعت وكالة "بلومبيرج" في تقرير لها، أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات اقتصادية لدعم الليرة فيمكن أن تصل إلى مستوى 4.75 ليرات مقابل الدولار الأمريكي، ويبدو أن الانهيارات المتواصلة التي تعاني منها الليرة التركية لا تبشر بخروج قريب لها من هذا المأزق، بل على العكس من ذلك، فهي تنذر بدخول تركيا إلى نفق أزمة نقدية من العيار الثقيل لم تشهدها منذ سنوات.
وسط قلق متنام بشأن قبضة أردوغان على السياسة النقدية، وتوقعات بارتفاع كبير للدين الوطني التركي من جراء طريقتها في معالجة الأزمة، نقلت وكالة "بلومبيرج" في تحليل اقتصادي أجرته في تقرير لها الأربعاء عن مدير الأسواق الناشئة في شركة الخدمات المصرفية TD Securities في لندن كريستيان ماجيو قوله: "لا يوجد حد لما يمكن للأمر أن يؤول إليه، فهو يتحول إلى أزمة مالية". وأضاف أنه إذا بدأ التجار في تركيا بالبيع فإن "الثقة ستنعدم".
وعزت بلومبيرج أحد أسباب الانهيار المستمر، الذي طال كل أيام شهر أيار (مايو) إلى ثلاثة منها تلكؤ البنك المركزي للبلاد من التدخل لإنقاذ العجز النقدي عن طريق جذب المستثمرين، والصدمة الأخيرة، التي طالت الليرة حدثت بوقت متزامن مع إعلان الرئيس التركي بأنه سيقوم بإحكام سيطرته على السياسة النقدية في حال فاز في الانتخابات المبكرة والمقررة في 24 من شهر حزيران (يونيو) المقبل.
ويسعى أردوغان، الذي يصف نفسه بـ "عدو" أسعار الفائدة، إلى خفض تكلفة الاقتراض لتعزيز الاستثمار وتحفيز الاقتصاد، ويرى المستثمرون القلقون من التضخم والعجز الكبير في ميزان المعاملات الجارية أن البنك المركزي بحاجة إلى تشديد السياسة النقدية لدعم الليرة.
وأعلن أردوغان عن حزمة تحفيز للاستثمارات قيمتها 34 مليار دولار لمساعدة الشركات التركية، فيما يتساءل مراقبون "كيف سيكون هناك استثمارات إذا لم تخفض أسعار الفائدة؟".
وقال أردوغان "يجب أن ننقذ المستثمر من أسعار الفائدة المرتفعة حتى يتسنى له ضخ الاستثمارات، وعندما تكون هناك استثمارات سيكون هناك توظيف وإنتاج وتصدير"، ولا يزال شبح التضخم ومخاوف الحرب التجارية وسلسلة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية تعيق نهوض الليرة التركية، وذلك بسبب سياسات أردوغان وتحالفاته مع روسيا وإيران والإخوان.
وجاء الهبوط الأخير في الليرة التركية، الذي وصفه محللون بأنه "تاريخي"، بعد أيام من بيانات رسمية أظهرت أن معدل التضخم السنوي في تركيا لا يزال أعلى من 10 في المائة، وفق ما ذكرت صحيفة "حريت" المحلية، وزادت الحرب التجارية التي تلوح في الأفق بين الولايات المتحدة والصين، متاعب الليرة التركية، إذ تخطط بكين لفرض رسوم جمركية على أكثر من 100 منتج أمريكي، وتشكل هذه المنتجات ما قيمته 50 مليار دولار أمريكي من حجم التداول بين أكبر اقتصادين في الساحة الدولية، فإن ذلك وضع تركيا بعملتها في عين العاصفة التجارية بين واشنطن وبكين.
ويضاف إلى التضخم والحرب التجارية الأمريكية الصينية، عامل ثالث يتمثل في المخاطر الجيوسياسية التي تحيط بتركيا، على وقع تدخلها عسكريا ضد الأكراد في عفرين شمالي سورية أخيرا.

تلخيص الحالة الاقتصادية التركية بعيون سعودية
وفي حديث عبر مواقع التواصل الاجتماعي قال الكاتب والباحث السعودي فايز الرابعة: "كل اقتصاد لديه ميزان مدفوعات يحدد صافي التعامل مع كل اقتصاد أجنبي (كم نستورد من الدول الخارجية وكم نصدر لها) وكل دولة تحرص على أن تكون صادراتها أكثر من مستورداتها حتى لا تصبح مديونة وتدخل في معمعة العجز".
وبين أن الأمور الاقتصادية في الواقع أكثر تعقيدا من النظريات، فعندما ينخفض سعر الصرف تزيد الصادرات ويحقق الاقتصاد عملة صعبة، ولكن حياة الناس تصبح أكثر صعوبة لأن الاستيراد سيستنزف دخولهم ومدخراتهم، موضحا أن سعر الصرف يحمل تعريفات كثيرة يطول شرحها.. ولكن أبسط ما يمكن أن يقال إنه عدد الوحدات من العملة المحلية التي يقابلها عدد وحدات من العملة الأجنبية، ويمكن أن نفهم سعر الصرف أكثر عندما ندرك أهميته.
وعرف الرابعة أهمية "الصرف" بأنها كل اقتصاد لديه ميزان مدفوعات يحدد صافي التعامل مع كل اقتصاد أجنبي (كم نستورد من الدول الخارجية وكم نصدر لها) وكل دولة تحرص على أن تكون صادراتها أكثر من مستورداتها حتى لا تصبح مديونة وتدخل في معمعة العجز.
وأشار إلى علاقة المديونية بسعر الصرف، وقال: "من هنا تنطلق أهمية سعر الصرف، فعندما تخفض قيمة العملة لدولة ما تصبح منتجاتها رخيصة ومنافسة، الأمر الذي يشجع على الاستيراد منها، ويتوافر لتلك الدولة عملات أجنبية وأموال تحفز على النمو الاقتصادي، الأمر معقد لهذا يبدو فيه شيء من التناقضات، ولكن كل اقتصاد يعمل ويبحث عن التوازن، أحيانا الأهداف تستدعي تخفيض سعر الصرف وأحيانا العكس، وهذا أمر يشبه إلى حد ما قيادة السيارة، أوقات تحتاج إلى أن تدوس على البنزين وأوقات تحتاج إلى أن تدوس على الفرامل حتى تصل للهدف الذي تريده".
ولخص الباحث فايز الرابعة ما سبق بأن سعر الصرف كأداة اقتصادية تستخدم في التحكم في ميزان المدفوعات والتعامل مع دول العالم الخارجي، والتحكم كذلك في التضخم وتوزيع الدخل وتنمية الصناعات المحلية وتشجيع الصادرات، مبينا أن الدنيا قوى العرض والطلب تهب بما لا تشتهي الاقتصاديات، فزيادة الطلب على العملة يرفع سعر صرفها والعكس صحيح، الأمر الذي يجعل الدول تدفع فائدة أكثر لزيادة الطلب على عملتها، كل هذا من أجل التوازن عند المستوى المطلوب وهذا مكن المضاربات والصراعات الاقتصادية.
وألمح الرابعة بشكل بسيط عن سعر الصرف وارتباطه بالسياسة الاقتصادية والتوازن والفائدة، وقال: "نعود لليرة التركية وانهيارها بعد أن كانت عام 2006/ 2007 تقترب من سعر صرف الدولار الأمريكي وخلال 11 سنة هوت إلى أن وصلت الليرة الواحدة 0.21 دولار بمعنى آخر الدولار يعادل 4.76 ليرة".
وأجاب عن تساؤله بأن الاقتصاد التركي غارق في الديون، إذ وصلت قروض الشركات التركية إلى ألف مليار ليرة، ونسبة الديون المعدومة عالية، وهذا قد يتسبب في انهيار بنوك والدخول في أزمة ثقة، مبيناً أن الخطر يحيط بالاقتصاد التركي.

الديون
إلى ذلك، تطرق الرابعة إلى الديون، فعندما تزداد الديون فإن الاقتصاد يمر بحالة عرض للنقود، والمبالغة في عرض النقود يعني كمية أموال ضخمة تطارد سلعا وخدمات محدودة، هذا الأمر يفرض على الاقتصاد حالة التضخم، والديون هي سرطان الاقتصاد التركي وكل اقتصاد لا يستطيع توفير سلة من العملات الأجنبية.
فيما خفض الأتراك سعر الصرف، وأصبحت منتجاتهم منافسة وأرخص مقابل السلع الأخرى (لاحظ هنا كيف تستطيع الحكومات أن تتحكم بالملكية الخاصة) بافتراض أن هذا الإجراء سيحقق لها عملة صعبة! لكن هذا الإجراء جعل المستثمر الأجنبي يجعل تركيا آخر الدول التي يفكر في الاستثمار فيها، كيف؟
عندما كانت الليرة بسعر صرف الدولار نفسه دخل المستثمرون للاستثمار في الاقتصاد التركي، ولنفترض أن شخصا استثمر مليون دولار في تركيا، هذا المليون دولار يعادل مليون ليرة عام 2006 وحاليا هذا المليون أصبح 200 ألف وفقد من قيمته 80 في المائة وهذه كارثة تجعل الاستثمارات الأجنبية تحجم عن الدخول. ينصح بعض المحللين الاقتصاديين الأتراك المستثمرين الأجانب في الدخول والاستثمار في القطاعات التي تتعامل بالدولار مثل السياحة والصناعة، ولكن هذا سيضعف عملتهم ويوجد إحلالا في العملة، وفي الوقت نفسه الدولة تدعو إلى التخلي عن الدولار والتحول لليرة! واضح التخبط الاقتصادي.
وعرج الباحث والكاتب السعودي على أن الاقتصاد التركي يعيش أزمة حادة بسبب سياسات اقتصادية تعمدت التوسع في الاقتراض وزيادة عرض النقود، إذ إن الاقتصاد التركي غارق في الديون ولا يستطيع السداد، خلاف ذلك السياسة الذي ينتهجها أردوغان بالتحالف مع إيران والإخوان تسكب الزيت على النار بتجاهل موقف المجتمع الدولي.
ديون تركيا تصل إلى 53 في المائة من الناتج القومي وهي نسبة لا تشكل خطرا كبيرا، ولكن المستقبل لا يبشر بخير، وذلك لوجود صراع سياسي اقتصادي بين الحكومة والبنك المركزي، الحكومة تريد تخفيض الفائدة حتى تنتهي الانتخابات والبنك المركزي يريد معالجة الأزمة برفع الفائدة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية