FINANCIAL TIMES

تركيا والأرجنتين .. انهيار العملة خبر سيئ في جميع الأحوال

مع انهيار الليرة التركية الأسبوع الماضي، ربما كان عزاء الشركات التركية هو أنه بينما أصبحت سنداتها المقومة بالعملات الأجنبية أكثر صعوبة من حيث الخدمة، أصبحت منتجاتها على الأقل أكثر قدرة على المنافسة في أسواق التصدير.
حسب الحكمة التقليدية، يجب أن ينطبق الأمر نفسه على الشركات في الأرجنتين والبرازيل وروسيا وجنوب إفريقيا وغيرها من الأماكن التي شهدت انخفاض عملاتها مقابل الدولار هذا العام.
مع ذلك، البيانات تفشل باستمرار في إظهار أي ميزة لشركات التصدير من العملة الضعيفة. في الواقع، بالنسبة لكل من التجارة والاستثمار، وهما من الناحية التقليدية محركا النمو في الأسواق الناشئة، يبدو من المؤكد أن الدولار القوي خبر سيئ.
في عام 2015، قارنت شركة إي إم سكويرد EM Squared التحركات في 107 عملات مع تغيرات حقيقية أو متوقعة في التجارة ووجدت، بعد أخذ كل شيء في الحسبان، أن العملة الأضعف كان يتبعها بشكل عام انخفاض، وليس زيادة، في حجم الصادرات.
تم إجراء المقارنة مرة أخرى، في 125 بلدا هذه المرة. وبمقارنة أحجام التجارة في الربع الأول من هذا العام مع تقلبات العملة في عام 2016، تم الحصول على النتائج نفسها.
الحكمة التقليدية تقول كلما زاد انخفاض عملة البلد، ازداد حجم صادراته. لكن خط التناسُب الأمثل يبين أن هذا لم يحدث، فكلما زاد الانخفاض في قيمة العملة، صغر مقدار الزيادة في أحجام الصادرات. وأفضل طريقة لتحقيق زيادة في الصادرات كانت بعدم وجود أي انخفاض في قيمة العملة قبل عامين، أو وهو الأفضل وجود زيادة في قيمة العملة.
لكن البيانات لا تسير جميعا في اتجاه واحد. عند مقارنة حجم الواردات بتحركات العملة، نجد بعض الدعم للحكمة التقليدية، كلما انخفضت قيمة العملة، قلت الزيادة في حجم الواردات، لأن السلع المستوردة تصبح أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين المحليين.
أحد التفسيرات لفشل الدولار القوي في دفع صادرات الأسواق الناشئة تم تقديمه في بحث نشره بنك التسويات الدولية في وقت سابق من هذا العام. وجد البحث أن قوة الدولار لها تأثير ضار على الصادرات لأنها تجعل التمويل أكثر تكلفة، وأن تأثير "القناة المالية" هذا يفوق أي ميزة تنافسية تكتسبها شركات التصدير من ضعف عملاتها.
ويسلط بحث بنك التسويات الدولية الضوء على الأهمية المتزايدة لسلاسل القيمة العالمية، التي تعززت نتيجة فترة طويلة من شروط الائتمان السهلة بالدولار التي ساعدت على بناء سلاسل القيمة العالمية وتمويل المخزونات. ويجادل البحث بأن تشديد شروط الائتمان بالدولار، المرتبطة بقوة الدولار، سيقلص نشاط سلسلة القيمة العالمية إلى درجة أن "من المفارقات أن ضعف العملة مقابل الدولار ربما يعمل في الواقع على تخفيف أحجام التجارة بدلاً من تحفيزها".
وقال هيون شين، رئيس قسم الأبحاث في بنك التسويات الدولية والمؤلف المشارك للبحث: "نعرف من الأدلة أن الدولار القوي يؤدي إلى تشديد الظروف على مستوى العالم، وأن هذا ترافقه عتبة أعلى لتوريد الائتمان. هذا لا يتعلق فقط بتمويل الدولار، بل بالأثر على الاقتصاد الفعلي أيضًا".
مع ذلك، تستمر الشكوك حول تأثير تخفيض قيمة العملة على الصادرات. راينوت دي بوك، كبير الاقتصاديين في "فارو مانيجمنت"، وهو صندوق تحوط لإدارة الأموال مقره لندن، قال إن تأثير القناة المالية من الصعب تحديده بصورة كمية، خاصة في سياق زيادة استخدام التدابير الحمائية على مدى العقد الماضي، الذي كان من الصعب أيضا تحديده كميا.
وهو يدعو إلى النظر لانخفاض قيمة العملات في الأسواق الناشئة من خلال ثلاث مجموعات: انخفاض كبير، بنسبة 30 في المائة أو أكثر خلال ثلاثة أشهر؛ وانخفاض متوسط من 20 إلى 30 في المائة خلال ثلاثة أشهر؛ وانخفاض صغير من 10 إلى 20 في المائة.
ولاحظ أن أي انخفاض في قيمة السلع سيكون له تأثير متناسب على سعر السلع المستوردة، ما يضر بالنمو مع انخفاض الاستهلاك والاستثمار الحقيقي. وبينما يمكن أن يستمر هذا التأثير لعدة أرباع، فإن التأثير على النمو يغلب عليه الاستمرار إلى أكثر من عام واحد فقط في حالة الانخفاض الكبير في القيمة.
وأضاف أن حدوث انخفاض كبير في القيمة سيؤدي إلى انخفاض كبير في سعر الصرف الحقيقي، لأن السلع والخدمات غير القابلة للتداول تتأقلم ببطء. وهذا سيحسن القدرة التنافسية للصادرات.
لكن بأي ثمن؟ مع بلوغ الليرة التركية 4.65 ليرة مقابل الدولار الأسبوع الماضي، ما يعني انخفاضها 18 في المائة هذا العام، كتب تشارلز روبرتسون، كبير الاقتصاديين في "كابيتال رينيسانس"، يوم الثلاثاء: "على المدى الطويل، الأسواق تعطي في الواقع تركيا ما تحتاجه، حتى لو لم يفهم أردوغان ذلك: عملة أضعف من شأنها أن تحوّل الأنموذج من نمو الاستهلاك المدعوم بالديون (...) إلى نمو تقوده الصادرات".
وأضاف: "على المدى القصير، ضعف الليرة سيعمل على:
1- إيذاء الإقراض المصرفي. 2- إلحاق الضرر بنمو الاستثمار/الاستهلاك. 3- دفع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2-3 في المائة (في سيناريو جيد). وهناك كثير من المخاطر السلبية، مع أزمة نمو على غرار ما حدث في البرازيل، تهدد بتحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي مقداره صفر، أو بأرقام سلبية".
لكن حتى أكثر محاربي العملات شجاعة – الشخصية الذي قُدمت إلينا من خلال جويدو مانتيجا، وزير مالية البرازيل في عام 2010 الذي كان يعتقد أن الولايات المتحدة والصين كانتا تسعيان إلى الحصول على ميزة من خلال التلاعب بالعملة – سيجفل من ذلك بالتأكيد.
ومع ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية والدولار عوقبت تركيا والأرجنتين بسبب عجزهما في الحساب الجاري والاختلالات الأخرى، وبسبب أخطائهما في السياسة الاقتصادية والمالية على الرغم من أن هذه القضية في الأرجنتين كانت مسألة تتعلق بالتنفيذ وليس القصد.
عادة في الأسواق الناشئة، كان الضعف في صرف العملات الأجنبية حافزاً من بين أمور أخرى للإصلاح. وبحسب دي بوك، من "فارو"، الأمر الأكثر أهمية من أي ميزة بالنسبة لشركات التصدير، هو الضربة التي تتلقاها صدقية صناع السياسة من عمليات خفض القيمة المفاجئة والكبيرة والضرر المرتب على ذلك على قدرة البلد على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
وقال: "من الصعب تماما (بالنسبة للحكومات) تخفيض قيمة العملة إلى الحد الذي يؤثر على القدرة التنافسية". وأضاف: "كلما كانت صدقيتها أكبر، ازداد مقدار التدفقات الرأسمالية التي ستعود. البلدان التي تعانى من أجل اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر تواجه فترة عصيبة في تحسين الإنتاجية".
العملة الهابطة ربما تكون في الحقيقة خبرا سيئا من جميع الجوانب.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES