انخفاض أعداد الوافدين

|

بدأ حدوث انخفاض أعداد الوافدين وفق البيانات الرسمية "التأمينات الاجتماعية" مع الربع الثالث من 2016 بأقل من 1.5 ألف عامل، ثم صعد إلى أعلى من 101.2 ألف عامل خلال الربع الرابع من العام نفسه، وأكمل وتيرته المتصاعدة خلال 2017 إلى أن وصل مع نهاية العام إلى نحو 600 ألف عامل، ويقدر وفقا لوتيرته المتصاعدة تلك أن يصل إجمالي الانخفاض في أعداد الوافدين بحلول منتصف العام الجاري إلى ما بين 600 و800 ألف وافد، ليصل إجمالي الانخفاض في أعدادهم منذ النصف الثاني 2016 حتى النصف الأول من 2018 إلى نحو 1.5 مليون عامل وافد، يضاف إليهم وفق التقديرات المتحفظة جدا أسر ومرافقي تلك العمالة الوافدة نحو 0.5 مليون مرافق، ليصل إجمالي الانخفاض خلال عامين فقط إلى نحو مليونين من السكان غير السعوديين "بلغ تعدادهم في منتصف 2017 نحو 12.2 مليون نسمة".
هل العدد قابل للزيادة؟ نعم هذا ما سيحدث بمشيئة الله تعالى، حيث يتوقع أن تستمر الهجرة العكسية للوافدين مع استمرار برامج الإصلاح والتحسين والتطوير الراهنة، وليس تحديد حجم تلك الهجرة العكسية ذا أهمية هنا، بقدر أهمية ما سينتج عنه من إيجابيات ينتظر انعكاسها على الاقتصاد الوطني، ورفع معدلات توطين الوظائف فيه، وتحسن مستويات المعيشة بالنسبة للأفراد والأسر من المواطنين، إضافة إلى زيادة الخيارات الحياتية المثلى أمامهم، سواء على مستوى إيجاد فرص العمل، أو على مستوى اقتناص فرص الاستثمار محليا، التي طالما وقف "التستر" كأحد أخطر المعوقات أمام كثير من المواطنين والمواطنات.
وقف خلف تلك الهجرة العكسية للوافدين عديد من العوامل؛ لعل من أبرزها إقرار الرسوم على الوافدين ومرافقيهم، التي أدت إلى رفع تكلفة استقدامهم وتوظيفهم على كاهل منشآت القطاع الخاص، إضافة إلى تصاعد نفوذ وسطوة برامج التوطين "وصل عدد من تم توظيفهم في القطاع الخاص خلال 2017 إلى 119.2 ألف مواطن ومواطنة"، هذا عدا لجوء كثير من منشآت القطاع الخاص إلى إعادة هيكلة كياناتها، نتيجة الإصلاحات الاقتصادية الراهنة، والعمل على تقليص تكاليفها التشغيلية، ومن ضمنها خفض أعداد فروعها ومنافذ بيعها، وما ترتب عليه من استغنائها عن خدمات عشرات الآلاف من عمالتها الوافدة، والمتوقع أن يستمر خلال العامين المقبلين، حتى تستقر أوضاعها على أرض أكثر صلابة، تجاه المتغيرات الاقتصادية والمالية التي ستخضع للتغيير المستمر حتى 2020 على أقل تقدير، نتيجة للإصلاحات الاقتصادية الإيجابية التي يتم العمل على تنفيذها تحت مظلة "رؤية المملكة 2030"، وتحديدا برنامج التحول 2020.
بالعودة إلى أعداد تأشيرات العمل للقطاع الخاص منذ مطلع 2011 حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، سنجد أنها وصلت إلى نحو 9.5 مليون تأشيرة عمل، في الوقت ذاته الذي ارتفع خلال الفترة نفسها معدل البطالة من 11.2 في المائة بنهاية 2010 إلى أن وصل بنهاية 2017 إلى نحو 12.8 في المائة، ما شكل إفراطا غير مقبول ولا يمكن قبول استمراره من قبل منشآت القطاع الخاص على الاستقدام المفتوح دون قيد أو شرط للعمالة الوافدة، على حساب الموارد البشرية الوطنية الأكثر تأهيلا، والأحق بنيل فرص العمل في سوقهم المحلية!
هذا بالفعل ما تنبهت إليه وزارة العمل أخيرا؛ أنه في حال استمرت تلك الأوضاع وعدم التدخل الحازم للحد من معدلات البطالة بين المواطنين، فإن المعدل سيتجه إلى الارتفاع بحلول 2020 إلى أن يستقر عند 23.2 في المائة، وأن نجد أنفسنا جميعا في مواجهة أعداد عاطلين من المواطنين ستتجاوز أعدادهم 1.6 مليون متعطل! وهو ما لا يمكن قبوله من قريب أو بعيد، حتى من قبل منشآت القطاع الخاص نفسها، التي تعود ملكيتها إلى مواطنين ومواطنات يمتلكون قدرا كافيا من تحمل المسؤولية الوطنية، تجاه ضرورة المحافظة على استقرار اقتصاد بلادهم ومجتمعهم، وأنهم ليسوا بحاجة إلى تذكيرهم بهذا الأمر، وهو ما شهدنا جميعا ترجمته على أرض الواقع، عبر زيادة توظيف العمالة الوطنية خلال الفترة الأخيرة، وتقليص الاعتماد على خدمات العمالة الوافدة، دون النظر أو حتى التعليق على بعض الحالات النادرة من المنشآت التي عارضت هذا التوجه، التي لن يطول بها الأمر حتى تدرك خطأ توجهاتها تلك، والعودة قريبا إلى مواقع المسؤولية من قبل ملاكها، لتدرك أن الاعتماد على الكوادر الوطنية هو الحل الدائم والمأمون ــ طال الزمن أم قصر.
لا تقف إيجابيات انخفاض أعداد الوافدين "القابلة للزيادة خلال العامين المقبلين" عند مجرد زيادة توطين الوظائف في القطاع الخاص، بل تمتد إلى خفض الاستهلاك غير المرشد لموارد الطاقة، وخفض التضخم في أسعار المساكن وتكاليف إيجاراتها، مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك لا يعني رفضا لوجودها بيننا، بل قد نشهد استقدام مزيد من العمالة الوافدة ذات التأهيل العلمي والعملي الجيد، وهو العدد الذي قد لا يوازي أكثر من 15 إلى 20 في المائة من الوافدين الراحلين، بمعنى أن الحاجة إلى الموارد البشرية الوافدة ذات التأهيل العلمي المرتفع، وذات الخبرة العملية الجيدة، سيظل الاقتصاد الوطني في حاجتها في حال لم تتوافر الكوادر الوطنية التي تملأ مواقعها العملية المختلفة.
يجب التأكيد على أن بلادنا واقتصادها الكبير جزء لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي، وتفاعله الإيجابي في هذا الميدان أو في بقية الميادين، هو ما يجب أن يستمر في النمو والصعود، لكن وفق عديد من الاشتراطات والضوابط التي تضع في مقدمة أولوياتها "الكادر البشري الوطني"، وأن الفرصة الأولى يجب أن تكون له قبل غيره من أي فرد من العمالة الوافدة. وفي حال لم يتوافر العنصر البشري الوطني الذي يشغل تلك الفرصة، فلا عيب أو نقد حول شغلها بغير السعودي على قدر احتياجنا حتى يتوافر البديل الوطني الكفء، وهو الأمر الذي يختلف تماما عما كانت تجري الأمورعليه في مختلف أروقة القطاع الخاص، التي أدمنت الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة، حتى تحولت إلى بيئة عمل طاردة للكوادر البشرية الوطنية، وهو ما لم يعد مقبولا استمراره بأي حال من الأحوال، وما يجري العمل عليه الآن ومستقبلا، وفق برامج تنموية لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني والإصلاح، تحت المظلة العملاقة لـ "رؤية المملكة 2030"، التي تستهدف نطاقا واسعا من الأهداف التنموية تتجاوز مجرد زيادة توطين فرص العمل في اقتصادنا الوطني، إلى آفاق أوسع يتسنم قمتها تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وزيادة الابتكار والتقدم التقني والتنافسية وتنويع مصادر الثروة وتحسين بيئة الاستثمار المحلية، وغيرها من الأهداف الطموحة التي نصت عليها "رؤية المملكة 2030"، ومختلف البرامج التنفيذية التي نتجت عنها. والله ولي التوفيق.

إنشرها