محليات

فلسطين في ضمير السعودية.. فعل عقل لا جعجعة ادعاء

الحق ما شهد به الأنداد وحدّث به التاريخ لا ما حاول إنكاره الأتباع، أصحاب الهوى والتقلبات، مهما كان قربهم وعرقهم أو دينهم. وهذا ما ينطبق على فلسطين في ضمير السعودية السياسي والإنساني. إذ قل أن تجتمع في السياسة إنسانية العطاء وثبات المواقف. ليس لشح في الخير ولكن لتقلب معروف في مصالح سياسات الدول وشؤونها المتغيرة بتبدل الظروف والأحوال.

أصلب مما كان

إلا أن السعودية ومنذ عهد المؤسس كانت تثبت موقفا بعد آخر ومحفلا بعد الآخر إن بالإمكان في القضية الفلسطينية أصلب مما كان. لتأتي شهادة الداهية البريطاني ونستون تشرشل في عز لملمة الاستعمار أوراقه الأخيرة من المنطقة مدوية، حيث وصف تشرشل الملك عبد العزيز بأنه "أصلب وأعند حليف يعارضنا بالنسبة للقضية الفلسطينية". بينما كان البعض حينها حتى من أقرب الأقربين قابلا للتفاوض، بل والمقايضة.
ومواقف السعودية التاريخية في هذا الإطار لا تعرف المساومة والتقلب بين داخل وخارج أو بين موقف يُسوّق عربيا وآخر غربيا لتأتي دائما واضحة وصافية شاهدة لها لا عليها محليا ودوليا. بدءا من مؤتمر لندن عام 1935م المعروف بمؤتمر المائدة المستديرة لمناقشة القضية الفلسطينية، إلى قمة الرياض العربية الأخيرة التي أطلق عليها عراب الحملات الإنسانية السعودية لمساعدة الشعب الفلسطيني خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز "قمة القدس".

في حضرة التأسيس

والضمير السعودي تجاه قضية العرب فلسطين لم يعرف التهاون أو التراخي منذ لحظاته التأسيسية الأولى بكامل تضحياتها ومتاعبها الإنسانية والمادية. فبينما كان الآخرون منشغلون ببناء إمبراطوريات مهيمنة أو الحفاظ على أخرى عبر المتاجرة بقضية محورية بالنسبة للعرب والمسلمين. جاءت القضية الفلسطينية في صلب المفاوضات التي تمت بين الملك عبد العزيز والحكومة البريطانية في اجتماعات وادي العقيق في جمادى الأولى عام 1345هـ/1926م بشأن إلغاء معاهدة القطيف، وتوقيع معاهدة جديدة يكون فيه الملك عبد العزيز الند للند للحكومة البريطانية، وقد أراد البريطانيون أن يعترف الملك عبدالعزيز مقابل ذلك بمركز خاص لهم في فلسطين، وأن يعترف بوعد بلفور المضمن في صك الانتداب البريطاني، وقد رفض الملك عبدالعزيز المساومة على الحقوق الثابتة للأمة العربية في فلسطين.

في السراء والضراء

كما وقف الملك عبدالعزيز مع الشعب الفلسطيني في ثورته في ذلك العام ضد الاحتلال رغم الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد السعودية آنذاك وتؤثر فيها تأثيراً شديدا، إذ بعث الملك عبدالعزيز تبرعا عاجلا للفلسطينيين بلغ 500 جنيه سلمت لرئيس المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين محمد أمين الحسيني مع رسالة عاجلة من الملك عبدالعزيز في 16 جمادى الآخرة 1348هـ الموافق 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1929م جاء فيها "قد غمنا هذا وأحزننا جدا ولم نكتم ما كان لتلك الحوادث من الأثر المؤلم في أنفسنا منذ بلغتنا وأظهرنا ذلك في وقته ومحله".
ويستمر التعاطف والتضامن السعودي مع قضية فلسطين قيادة إثر أخرى ومبادرة تضاف لأخرى في السراء والضراء سرا وعلنا عقلا وفعلا لا صوتا وادعاء للوصول إلى حل نهائي ومرضٍ لأبناء فلسطين وشعوب المنطقة والعالم. وهذا هو الأصعب والأعقد لذلك تغيب عن الضمير السعودي الدعاية وتحضر الحكمة. فالقدس ليست شعارا سياسيا أو حزبيا قابلا للمساومة السياسية والمتاجرة العاطفية، كما يريد البعض امتهانه، بل قضية إنسانية حلولها سياسية في المقام الأول والأخير.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من محليات