رسالة رمضان الاجتماعية

|
شهر رمضان هو أحد أهم مواسم العبادة للمسلمين، فهو الموسم الذي يشترك فيه المسلمون في كل بقاع الدنيا على عبادة واحدة وهي الصوم، كما أن الصيام يعتبر من العبادات المختلفة نوعا عن العبادات الأخرى بميزة أنها لا يمكن أن تكون وسيلة للرياء، فالإخلاص فيها ظاهر، إذ إن عبادة مثل الصلاة يمكن أن يحصل فيها الرياء وهذا غير ممكن في الصيام، وهذا ما يفسر الحديث القدسي عن المولى - جل وعلا: "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، حيث إن الصائم لا يمكن أن يستخدم الصيام كوسيلة لإظهار جانب التقوى أمام الناس، إذ لا يطلع على عمله إلا الله - سبحانه وتعالى. لا شك أن رمضان موسم مميز في المجتمع، ولذلك نجد أن نمط الحياة يبدأ في الاختلاف حيث يبدأ الإقبال بصورة أكبر على أنواع متعددة من العبادة والتفرغ لها بصورة أكبر في شهر رمضان، بل إن البعض يجد أن شهر رمضان هو الموسم المناسب لمجموعة من الالتزامات والعبادات، مثل الزكاة التي يقصد البعض إخراجها في رمضان دون باقي شهور السنة، حيث إن هذا الشهر ميزه الله عن غيره من شهور السنة. لا شك أن شهر رمضان يحمل مجموعة من الرسائل الاجتماعية المهمة التي ينبغي العناية بها، التي نجد البعض يناقض هذه الرسائل، فموسم الصوم هو الوقت الذي يفترض أن يقل فيه شره الإنسان على الطعام، في حين أن العادة جرت بأن شراء الأطعمة وتنوعها يزيد بصورة كبيرة في هذا الموسم، وهو يتناقض مع رسالة مهمة لهذا الشهر أن يخفف الإنسان من شرهه على الطعام وفي ذلك صحة لروحه وبدنه. من الرسائل الاجتماعية في هذا الشهر الحرص على صور العبادة بمختلف أنواعها ومن ذلك الصدقة، والتبرع بالمال لا شك أنه من أعظم القربات أيضا، إذ إنه ليس من السهل أن يتنازل الإنسان عما يحب من المال الذي يعتبر حبه فطرة إنسانية، إلا أن نازع حب الخير وتحقيق رضا الله يدفع الإنسان إلى أن يغلب جانب التنازل عن جزء من ماله بطيب نفس لتحقيق رضا الله، وفي مسألة التبرعات خصوصا في هذا الموسم لا بد من وقفات مهمة قبل أن يتخذ المسلم قرارات لا تحقق مراده من التبرع فحسب، بل قد تتسبب في ضرر قد يطوله هو أو غيره من المسلمين، ولذلك من المهم التأكد مما يلي وهو مسؤولية على الفرد قد يتحمل وزرها، بسبب إهماله فيما يجب عليه تحري المكان المناسب لماله، فمع كثرة الاحتيال واستخدام المظاهر للتلبيس على الناس أصبح من المهم أن يتحرى الإنسان المكان المناسب للتبرع، ومن المهم مراعاة أن يكون تعامل المواطن أو المقيم مع الجهات الرسمية وعدم الانخداع بحالة بعض المتسولين سواء في الطرق أو المساجد، إذ إن الحكومة اليوم لديها برامج متعددة للتخفيف من معاناة الفقير سواء من خلال البرامج الاجتماعية لوزارة العمل، أو من خلال "حساب المواطن"، أو من خلال التواصل مع المؤسسات الاجتماعية المسجلة رسميا للاطلاع على حالة وتخصيص المبلغ المناسب له، أو من خلال وجود قرابة له يعتنون بحاله. حتى مع وجود احتمال أن يكون الشخص محتاجا ولا يجد من يعتني بحاله، إلا أن خطورة وصول المال إلى فئة خارجة عن القانون أو فئة قد تكون معادية أو إرهابية أمر خطير جدا، ولذلك فإنه على المواطن والمقيم مسؤولية أن يضعا مالهما في المكان الصحيح بما لا ينتج عن قرارهما ضرر على المجتمع من قريب أو بعيد، والملاحظ بشكل واضح اليوم أن هناك مجموعة من التسهيلات التي تمكن المواطن من التبرع وإيداع ماله في المكان الصحيح، ومن ذلك وجود تنوع في المؤسسات الاجتماعية سواء الخاصة بالفقراء أو الأيتام أو المعوقين أو بناء المساجد، أو أي مجال من مجالات المعروف والخير، كما أن التبرع أصبح متاحا بمختلف وسائل الدفع سواء كانت إلكترونية أو من خلال التواصل مع جهات التبرع المرخصة. ولا بد من ملاحظة أن سلوك البعض خصوصا من يعطي المتسول دون التحقق من حاله، أو التواصل معه من خلال المؤسسات المرخصة التي يقع عليها جزء من المسؤولية في التحقق من حال المحتاجين، يمكن أن يكون سببا في استقطاب المجرمين، إذ إن التسول أحد أهم مصادر دخل بعض المجرمين، نظرا لسهولة الحصول على المال من خلاله، كما أنه يمكن أن يكون سببا في المتاجرة بالبشر، خصوصا الأطفال الذين تمتلئ الشوارع بهم بغرض التسول، ما يحرمهم من أن يمارسوا حياتهم كأقرانهم. الخلاصة إن شهر رمضان شهر عظيم وهو أحد أهم مواسم العبادة للمسلمين، وحرص المسلم على العبادة ومن ذلك الصدقة ينبغي ألا يقوده إلى دفع هذا المال إلى من لا يستحق، خصوصا أنه اليوم وبسبب استغلال البعض للمظاهر أصبح يستغل طيبة بعضهم للحصول على المال من خلال التسول وهو سبب غير مشروع للكسب، كما أنه يمكن أن يتسبب في وصول الأموال إلى جهات خارجة عن القانون أو إرهابية، وهو ما يتسبب في ضرر على المتبرع نفسه أو غيره من المسلمين، وفي ظل العناية بالمؤسسات الاجتماعية وتنوعها حاليا وسهولة إيصال الأموال إليها، فإنه لا يوجد ما يبرر دفع المال إلى غير المستحق أو المشكوك في استحقاقه لهذا المال.
إنشرها