المشراق

قصة حب عربية يرويها مستشرق ألماني

قصة حب عربية، بدوية، غريبة، وعجيبة. تفاصيل هذه القصة الحقيقية روى أحداثها المستشرق والضابط الألماني كارل رسوان في كتابه الماتع "الخيام السود في الجزيرة العربية".
وهذا المستشرق عاش مع قبيلة الرولة فترة طويلة خلال 22 عاما زارهم خلالها 11 مرة في كل مرة يقيم بين أسابيع قليلة وأشهر طويلة، وأصبح واحدا منهم وله معهم أخبار طويلة سواء الشيخ النوري بن شعلان أو ابنه نواف النوري أو حفيده فواز بن نواف النوري الشعلان وسجل عنهم أخبارا في غاية الأهمية.
زار كارل رسوان قبيلة الرولة لأول مرة عام 1912 وكان آنذاك في الثامنة عشرة من عمره، وعاش مع العرب ثلاث سنوات، ثم عاد إلى ألمانيا ليذهب بعدها إلى إسطنبول خلال الحرب العالمية الأولى ومنها إلى قناة السويس لثمانية أشهر، أصيب بعدها بمرض الحمى النمشية التي أرهقته وجعلته على حد قوله هيكلا عظميا. ذهب بعدها إلى روسيا 18 شهرا ثم أوكرانيا ثم كاليفورنيا ونيويورك ليستقر بعدها في مزرعة في سانتا آنا لفترة طويلة كان يقضي فيها يوميا ثماني ساعات على ظهور الخيل، يمارس رياضته المحببة وهناك استعاد صحته وعافيته وعاوده حنينه إلى الصحراء العربية وبدوها الذين أحبهم وفي عام 1926 قابل صديقه القديم النوري الشعلان حيث كان يعيش، وجلس في ضيافته أسبوعا ثم واصل رحلاته في الصحراء العربية بصحبة رفيق جديد يحميه ويحرسه خلال رحلاته كان هذا الرفيق هو عاشقنا المتيم والفارس النبيل الوفي فارس بن نايف الصعبي أحد أفراد قبيلة شمر، الذي تعيش عائلته مع قبيلة الرولة. يقول كارل رسوان عن هذا البدوي: "وفارس هذا رجل فذ، فمنذ اللحظة الأولى للقائنا عندما قدمني نوري له شعرت أن ذلك أكثر من معرفة عابرة فنعومة صوته عندما ألقى علي السلام وقبضة يده القوية كشفت لي في لحظة واحدة نفس هذا البدوي الشاب الطاهرة الصريحة فتحت عباءته ينبض قلب رقيق وقوي يجعلني أعترف بأنني لم أصادف مثيلا له بين البشر وحتى آخر رمق بقي أخلص صديق عرفته، وجهه البيضوي النبيل لا يمكن أن ينسى وكذلك عيناه السوداوان اللطيفتان كما أن شعره ولحيته وعباءته الفضفاضة جعلت منه شخصية أخاذة وعلى الرغم من رقته وليونته كان فارسا من أشجع وأجسر أبناء إسماعيل ـــ عليه السلام ـــ ربما كان يعيش متأخرا عن عصره بألفي عام".
تركا دمشق سويا كارل وفارس متجهين بسيارتهما إلى صحراء الحماد، حيث تنزل قبيلة الرولة وصلا بعد يومين إلى منازل القبيلة وإلى أوسع سرادق (بيت الشعر) في الجزيرة العربية بيت نوري الشعلان. كان أول سؤال طرحه كارل رسوان عندما توقفا عن صديقه القديم الشيخ فواز بن نواف بن النوري الشعلان الذي عرفه وأحبه طفلا وهو اليوم شاب يافع لكنه لم يجده لأنه كان في زيارة لعشيرة أخرى. في صباح اليوم التالي ركب كارل وفارس فرسين اسم إحداهما (سدحا) وأثناء تجوالهما في تلك الصحراء الجميلة التي تكسوها أزهار الخزامى والبابونج التقيا فتاة جميلة وكان اللقاء رائعا وتفاصيل الحوار مثيرة لكن لا يتسع المجال لإيرادها. يصفها كارل رسوان بقوله: كانت هذه الفتاة في الـ 16 من عمرها جميلة للغاية، وقد اصطبغت وجنتاها اللتان لفحتهما الشمس بالدم وكان شعرها الكثيف الناعم وأنفها الشامخ يشيران إلى أن الفتاة من نسل إسماعيل النقي. كانت قامتها منتصبة طويلة مديدة ذراعاها نحيلتان ومعصماها دقيقان عيناها سوداوان، تتمتع بصورة رائعة للجمال الطبيعي والصحة.
كانت هذه الفتاة تويما بنت شاعل بن سرحان. نزلا ضيفين عندها فأكرمتهما غاية الإكرام ودار بينهم حديث طويل كله عفة وطهارة ومن يقرأ تفاصيل الحوار الذي صاغه كار رسوان بأسلوب رائع يشعر أن الحب قد غزا قلب فارس النبيل وتويما العفيفة.
ناما بضيافتها واستيقظا على نباح كلبيها سخان وقصاب، سحب فارس مسدسه لينطلق خلف صوت الكلبين ظنا أن لصوصا جاءوا للاعتداء على قطيع معشوقته الجديدة لكنها انطلقت إليه وأخبرته أنها مجرد ذئاب سيطاردها سخان وقصاب.
أشرقت الشمس ونهضت تويما وسارت نحو قطيعها ولكنها توقفت فجأة وتسمرت في مكانها واغترفت عينا فارس المفتوحتان من جمال قامتها التي بدت بوضوح تحت ثنايا ثيابها الرقيقة وقد زادتها أشعة شمس الصباح جمالا على جمالها.
وعندما بدأ فارس بالسير نحوها تضاحكت وهربت مسرعة واضعة في الوقت نفسه شالها فوق كتفيها. هذا المنظر الذي وصفه لنا كارل يحكي لنا كيف سيطر الحب على قلبيهما بهذه السرعة. تناولا طعام الإفطار الشهي من يدها ثم حان الرحيل، سألت تويما فارسا هل ستعود؟ فأجابها: هل ستذكريني؟ رمى نفسه على ظهر الفرس ثم تعاهدا على الحب والوفاء والإخلاص وتفارقا ودموع تويما تسيل على خديها. يقول كارل: وصاحت تويما بعد انطلاقنا: ابقيا، فصاح فارس: يشهد الله أن حبك منذ الآن سيكون رفيق قلبي الدائم، فقالت: السلام عليك يا فارس. وكلما التفتنا إلى الوراء وجدنا تويما واقفة بجانب قطيعها دون حراك وهي تحدق فينا وعند التلة الأخيرة نزع فارس كوفيته ولوح بها إلى صورة الفتاة البعيدة فلوحت له بشالها بالمقابل.
واصل الرفيقان تجوالهما وعرجا لزيارة الشيخ نواف الشعلان وابنه فواز أقام معهما فترة من الزمن ثم خرجا للصيد وهناك وجدا شخصا يصطاد ظبيا ولم يكن ذلك الشخص سوى محبوبته تويما، كان لقاء حارا، ذهبا بعدها إلى والد تويما وأصبحت تويما خطيبة فارس.
تكررت اللقاءات بين الحبيبين وسجل تفاصيلها بكل ما فيها من نقاء وجمال وروعة وصفاء وبهاء ورونق شاعري المستشرق كارل رسوان بأسلوب وصفي بديع يجعلك تعيش الموقف بكل تفاصيله وكأنك تراه.
اغتيال العاشق النبيل
استمر فارس في تنقلاته وحمايته لصديقه كارل وبعد فترة من الزمن حصل خلاف حول أماكن الرعي فذهب كارل كوسيط ومعه فارس وشخصان آخران إلى الشيخ ابن مهيد واتفقوا معه على تحديد أماكن الرعي وتم إنهاء الأزمة وفي طريق عودتهم إلى مواطن قبيلة الرولة فوجئوا بهجوم من قبل ثلاث سيارات مسلحة وانهمرت عليهم الرصاصات من كل مكان وردوا عليهم بمثلها. أصيب فارس برصاصة في فخده وشغل كارل بمداواته ثم انهمرت عليهم الطلقات النارية مرة أخرى وبدأوا بالرد عليها. كان فارس يزحف إلى مكان أكثر أمنا وفجأة اخترقت رصاصة جسده واستقرت في صدره، فجع صديقه كارل لما سمع أصوات التأوه والأنين تصدر من فارس البطل الصبور الذي لا يعرف الخوف ولا الشكوى. بعد انتهاء المعركة حملوا فارس إلى السيارة وهو يبدي صمودا وجلدا أمام إصابته القاتلة، أراد كارل الذهاب به إلى دمشق كي يعالجه الأطباء هناك ولكن فارس رفض وطلب من كارل أن يحمله إلى تويما، حيث كان يشعر بدنو أجله وأراد أن يلتقي حبيبته كي يتزوجها علها أن تنجب منه ابنا يحمل اسمه وأمام إصراره وافق كارل على طلبه خصوصا أنه أحس أن الأمل في شفائه كان ضئيلا.
عاد فارس إلى أسرته وإلى قبيلة الرولة واستقبل بالأهازيج وتلتها الدموع لما رأوا ما أصابه، جاء والده ووالدته وأخته الصغيرة، تجلد الشيخ الكبير وانهمرت دموع الأم والطفلة، واجتمع الرجال وأفراد القبيلة، كان الجميع متألما لما أصاب فارس. قال فارس وهو يقاوم آلامه وجراحه هناك صلح لن تقوم الحرب بين القبيلتين سنتمكن من الرعي بسلام. فرحوا بالسلام وتألموا لما أصابه، وخر فارس مغمى عليه من شده آلامه، جاءته أمه ودموعها تنهمر على خديه وقبلته ومكثت عنده حتى نهض من إغماءته، حاول تثبيت أمه والشد من أزرها وقال لها إن الجبان هو الذي يخاف من الموت.
جاءت تويما إلى حبيبها مفجوعة حزينة وكان سؤال فارس عنها لا يتوقف مسحت دموعها وكتمت صرختها الحزينة ودخلت على حبيبها ببسمة مشرقة تعلو محياها الجميل مخفية خلفها آلاما لا حد لها، وابتسم فارس لأول مرة منذ إصابته عندما دخلت عليه حبيبته. الوقت يمضي سريعا ولا بد أن يتزوجها هذه الليلة وتم الاتفاق على ذلك وذهبت تويما إلى قسم النساء ليتم إعدادها لعرس الليلة، حضر أقارب فارس وأصدقاؤه كي يشهدوا على هذا الزفاف.
زفت تويما إلى فارس وغادر الجميع تاركين العروسين وحدهما ورمي وسط الخيمة على الأرض، مات فارس في تلك الليلة، مات الفارس النبيل، مات العاشق الوفي، وجدوه ميتا في الصباح وإلى جانبه تويما فاقدة الوعي.
دفنوا فارس في مكان قريب وبدأ الرولة الرحيل إلى المراعي الجديدة التي سيرعون فيها بسلام وفق المعاهدة التي كان طرفا فيها فارس وتجمهروا حول "أبو الدهور" الريشة الرمز شعار القبيلة التي يدافعون عنها كما يدافعون عن أبنائهم وربما أشد.
التفت كارل ليلقي نظرة الوداع الأخيرة فوجد كلب تويما بجوار قبر فارس يرفض الرحيل حتى صرخت تويما عليه فتبعها ورحلت تويما بعد أن ودعت حبيبها وصديق حبيبها.
مضى كارل لحال سبيله وبعد مرور سنتين جاء لزيارة أسرة صديقه القديم فارس وقابل والده، وبينما هم مستغرقون في الحديث دخل طفل صغير يرمقهم بنظرات فضولية خجولة ومن خلفه صوت يناديه: منور. كان ذلك صوت تويما وكان منور الطفل الذي أنجبته من فارس بن نايف الصعبي الشمري.
ألماني يكتب شعرا في فارس وتويما
وكرد لجميل البطل العاشق فارس الشمري وتعبيرا عن إعجابه الشديد بشخصيته أهدى المستشرق كارل رسوان كتابه إلى روح فارس، كما قدم لكتابه بقصيدة كتبها أحد الشعراء الألمان البارزين جومو وليمز تتحدث عن فارس وتويما.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق