المشراق

وصية: اذبحوا ذباح الكلب

إحدى القصص الشهيرة في جزيرة العرب، التي تحمل في طياتها حكمة يتعلمها الأجيال، يرويها لنا الأديب الكبير الشيخ عبد الله بن خميس في "أحاديث السمر" فيقول:
ظل قلب جزيرة العرب ما يقرب من تسعة قرون، وهو في حال من الفوضى واضطراب الأمن لا مزيد عليهما، فمن بعد أن تقلص نفوذ الدولة العباسية، وغلبت الخلافة على أمرها في القرن الثالث الهجري انفرط عقد الأمن.. وأصبحت القوة هي الحاكم المطاع في هذه المناطق، فكل من يملكها فله السيادة والقيادة.. وإذا فلا غرابة أن تستأسد النفوس، ويمتلكها شعور نحو الآخرين أنهم لن يتركوا حقا رحمة أو مروءة، وإنما يتركونه خشية فقط.
لهذا لم يكن الشيخ حينما اعتدى أحدهم على كلبه وذبحه، ليستقر له قرار أو يهدأ له بال حتى يقتل قاتل الكلب.. لقد نادى أبناءه فور قتل الكلب أن اقتلوا قاتله، فكبر في نفوسهم أن يقتلوا رجلا في كلب، فسكت الشيخ على مضض. وفي يوم كانت إبلهم على الماء فصدها رجل آخر، وضربها في وجوهها، وطردها بحجة أن الورد له، فتكدروا وتأثروا وأخبروا الشيخ، فلم يزد على أن قال: اذبحوا ذباح الكلب.. فقالوا: وما علاقة هذه بهذه.. أنت شيخ هرم قد اهتز معقولك، وشاخت أعصابك.. فسكت. وفي يوم آخر جاء راعي الإبل مشجوج الوجه، ينزف دمه فتأثروا له أيضا، أخبروا أباهم، فلم يزد على أن قال: اذبحوا ذباح الكلب.. وكان العرب يعتقدون ـــ وهو اعتقاد له مدلوله وحقيقته ــــ يعتقدون أن الخؤلة لها دخل كبير في إنجاب الولد وكان لهذا الشيخ ابن من امرأة ثانية، أهلها أهل شجاعة وهيبة وسطوة، لا يدانى حماهم، ولا يعبث بشرفهم.. وقد كبر الولد وشب عن الطوق، ولحق بأبيه وإخوانه، فكان أول عمل قام به هو ذبح ذباح الكلب، وبعده جاء من صد النياق، ومن ضرب الراعي مستغفرين تائبين.. وبعده حذر القوم حماهم، وتحاموا الخطأ عليهم.. واستشعروا قول الشاعر:
إذا لم تكن ذئبا على الأرض أطلسا
كثير الأذى بالت عليك الثعالب
ولكن الإسلام جاء بما هو خير من هذا، بما هو أصدق فلسفة، وأنجع علاجا، قال تعالى: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ‏ادفع بالتي هي أحسن فإذا ‏الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم". صدق الله العظيم.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق