كيف نتعامل مع سلوكيات أبنائنا؟

|

تتمثل مهمة الأب في إعادة تكوين أفراد الأسرة وإعادة توجيه سلوكهم الفردي والجماعي على أساس رسالة ورؤية وقيم الأسرة، التي تصاغ بناء على رسالة وقيم المجتمع والبيئة المحيطة. وكي يصل رب الأسرة إلى ذلك، ينبغي له أن يعرف ويقدر مواهب وإمكانات كل فرد من أفراد عائلته، ويعد كل ذلك قيمة مضافة في منظومة العائلة. وهناك عدة سياسات تزخر بها مؤلفات الإدارة والتربية، تناقش كيفية بناء علاقات جيدة مع أفراد الأسرة، يمكن الرجوع إليها، فهذا ليس هو موضوعنا، بل نريد أن نركز على المهمة الأكثر تعقيدا، وهي كيفية التعامل مع شواذ الأبناء، أي الذين يخرجون عن السياق العام والمألوف. بعض الآباء يواجهون حالات لا تفيد معها الطرق المعتادة في التعامل مع النشء، بل تحتاج إلى وصفات خاصة، لعلي أغطي جزءا منها في مقالي هذا.
بعض الأبناء والبنات لا يستطيعون التكيف مع محيطهم، سواء داخل الأسرة أو في المحيط الخارجي خارج نطاقها، بسبب نمط شخصيتهم التي تختلف عن البقية، وبهذا فهم يمثلون مصدر قلق وتعب للآباء والأمهات، ويحتاجون إلى تعامل خاص. ومن أمثلة هذه الأنماط، الابن الفاشل، والمتذمر، والمغرور، والفائق الحساسية، والعنيد، والقلق. وسأذيل مقالي هذا بتعريف بعض هذه الأنماط وكيف يختلف عن الآخر، وأبين وجهة نظري حول كيفية التعامل معها.
أول أنماط الشخصيات الشاذة، هو ما يطلق عليه "الابن المتذمر"، وهو الذي يكثر من الشكوى والتذمر كلما صدر له أمر من أحد والديه، ويفعل هذا بسبب ظلم وقع عليه من أحدهما أو من أحد إخوته، أو قد يكون قد تعرض لمظلمة في المدرسة ولم يخبر أحدا بها، أو من رفقائه، أو أحد أقاربه، فهو لا يتذمر إلا بسبب عدم شعوره بالعدالة. وقد لا يكون وقع عليه ظلم من الأصل، ولكنه متوهم ذلك، فأدى إلى انحرافه نفسيا وأخذ دور الضحية التي تطالب بالإنصاف من شيء لم يحدث إلا في مخيلته. وأفضل علاج لهذا النمط، هو أن ينصت الأب للابن المتذمر كلما قدم شكواه وتذمره ويناقشه ويقنعه بأن ما يجول في ذهنه ما هو إلا وهم يجب اجتثاثه. على الوالدين أن يقنعا الطفل أن الحياة أخذ وعطاء، بل عليه أن يعطي أولا إذا أراد الأخذ. وعلى الأب أن يقنع ابنه المتذمر بألا يقيس علاقاته بأبيه وأمه وإخوته وأقاربه على أساس كم قدمت لي سأقدم لك مقابلا له. أبدا، هذا المعيار لا يتفق ومبادئ العلاقات الإنسانية، بل عليك إقناعه أن يقدم دون أن ينتظر العطاء، فهذه أهم خصائص النفسية السليمة الصحيحة الخالية من الأمراض والوساوس.
النمط الثاني من أنماط شواذ الأبناء، هو "الابن المغرور". ينشأ الغرور في النفس الإنسانية إما لتغطية جهل، أو لمقاومة خوف، أو للمباهاة. أي أن عادة الغرور تتكون نتيجة أن هناك جهلا يريد الطفل أن يخفيه، أو خوفا يرغب في مقاومته، أو قدرات استثنائية أدركها في نفسه يريد أن يظهرها لمن حوله. ففي الجهل والخوف، يظهر ذلك على شكل جرأة في الكلام بهدف الإرهاب أو الخداع. ولمعالجة هذا النمط، يجب مواجهته وأن ما يفعله من سلوك وجرأة غير مهذبة لا فائدة منها، ولكن دون التصريح له أنه يقوم بهذا من أجل أن يخفي جهله أو يقاوم خوفا ما بداخله. أما الابن المغرور بسبب ثقته بنفسه وبقدراته، ولا يريد أن يبقى الموضوع بينه وبين نفسه، بل يحاول إظهاره أمام من حوله في محيطه الأسري والمدرسي، فهو يمتلك بالفعل بعض القدرات، ولكن ينبغي أن نوظفها نحن الآباء والمربين في الكسب والمنافسة وليس في الاستعراض والمباهاة.
ولعلاج انحراف هذا النوع، على الأب أن يعترف لابنه، وبلغة صريحة، أن الله قد وهبه قدرات ما في جانب من جوانب الحياة، ولكن تنقصه قدرات أخرى، فكل إنسان له قدرات وله نقاط ضعف في بعض الجوانب وعلى الأب أن يرسخ في ذهن ابنه المغرور أن أي شخص في هذا الكون لديه ولو نقطة واحدة إيجابية يتفوق بها على غيره، وله نقاط ضعف من أجل أن يبقى الإنسان يحتاج إلى غيره. كما يجب أن يقنعه بأن إخوته في المنزل وأقرانه في المدرسة عندما يحاول استعراض قدراته أمامهم، أنه قد يثير حفيظتهم ضده فيتتبعون إخفاقاته ويضخمون هفواته، بل قد يتجنبون مصاحبته فيبقى منبوذا وحيدا مكسور الوجدان. كما ينبغي عرض شخصيات ونماذج من يمتلكون قدرات أفضل مما لديه، وأنه ليس الابن الفريد في هذا المحيط الذي يعيشه، وإن تعذر كل هذا، فعلى الأب أن يكلفه بمهام تفوق قدراته بهدف إفشاله من أجل أن يعود إلى نفسه ويعلم أن للبشر قدرات محدودة وطاقات مقيدة.
هذه أهم أنماط الشخصيات الشاذة التي يواجهها الآباء والأمهات، وهناك أيضا الابن الحساس والعنيد والقلق والفاشل، لعلنا نتطرق لها في مناسبة مقبلة، إن شاء الله.

إنشرها