ثقافة وفنون

المدعو «ك» .. السخرية من النجاح طريق إلى البوكر

تنافست رواية "الحالة الحرجة للمدعو ك" للكاتب السعودي "عزيز محمد" بقوة على جائزة البوكر العالمية للرواية العربية 2018 في دورتها الـ11، والتي رشحت معها ستة أعمال روائية وهي: رواية "زهور تأكلها النار" للكاتب السوداني أمير تاج السر، ورواية "ساعة بغداد" للكاتبة العراقية شهد الراوي، ورواية "الخائفون" للكاتبة السورية ديمة ونّوس، ورواية "وارث الشواهد" للكاتب الفلسطيني وليد الشرفا، ورواية "حرب الكلب الثانية" لأردني من أصل فلسطيني إبراهيم نصر الله.
ونجحت الرواية في الوصول إلى تجسيد بطل لا ينسجم مع محيطه، سواء في الأسرة، أو في العمل، أو في أي مكان يكون فيه، فلديه دائماً هذا الشعور بالنفور مع كل ما يحدث حوله، فهو شابٌ في العشرينيات من عمره، تخرج في كلية تقنية المعلومات، يعمل ضمن اختصاصه في شركة بتروكيماويات منذ ثلاث سنوات، ويضع حاجزاً لا مرئياً بينه وبين باقي زملائه.
ويهرب "ك" إلى الكتابة، ليعبّر من خلالها عن نفوره من العمل الرتيب، وشعوره بأنه مع الموظفين الآخرين مجرد آلات أو روبوتات، يمضون كل وقتهم وراء أجهزة الكمبيوتر يعملون، لا يرفعون رؤوسهم عنه، لا يتحركون دون سبب، بل حتى إن تنفسهم يبدو مضبوطاً، لا مجال فيه لأي صوت غريب أو كاسرٍ للرتابة، أكثر من ذلك، فإن بطلنا لا تحركه قصص النجاح، بل يسخر منها كما يسخر من كل شيء.

"حرب الكلب الثانية" تفوز

فاز الروائي إبراهيم نصر الله بالجائزة، حيث صدرت الرواية عن الدار العربيّة للعلوم "ناشرون"، بالاشتراك مع مكتبة كلّ شيء، عام 2016، وهي تقع في 343 صفحة من القطع المتوسّط، ولوحة غلافها للفنّان بهرام حاجو.
وتدور أحداثها في المستقبل، في زمن تصبح فيه الفصول فصلًا طويلًا واحدًا، والنهار خمس ساعات، حيث يتراجع دور الحكومات لصالح ما باتت تسمّى القلاع، وبقدر ما تتأمّل الرواية حالًا عربيّة، بقدر ما تتأمّل أحوال البشر في كلّ مكان، في زمن لم يعد فيه الإنسان قادرًا على التمييز ما إذا كان الإنسان الذي يقف مقابله هو شبيهه أم قاتله.

"ك" وأثر النص

لكن عند العودة إلى رواية "عزيز" لا بد من التوقف عند النص "بضع لحظات صامتة مرّت، فيما راح الباب ينغلق على مهله، أخبرني بعدها أن عليَّ التفكير بجدية في العلاج الكيميائي، بنفس النبرة التي يخبرني بها أحدهم أنه حان الوقت لشراء حذاء جديد، كنت هادئا، والطبيب هادئا، والغرفة هادئة، ودرجة الحرارة فيها مناسبة، وكان ثمة بخار يتصاعد من أكواب الشاي الورقية أمامنا، حملت الكوب إلى حجري وأطرقت إليه بسكون.
ويعد هذا النّص ورطة حقيقية وله تأثير مغناطيسي كابوسي، الإحساس القارس بوحشة الفرد الذي يدافع بكل شراسة، عن فرديته أمام نظام اجتماعي واقتصادي يحاصره حتى آخر سنتيمتر، المفارقة أن يكون السرطان هو ساحة المعركة، وأن تعتمد اعتمادًا كليًا على النظام؛ من خلال التأمين الصحي والمستشفى والتقاعد المبكر والأقارب وأصدقاء الكلية، وفي الوقت نفسه مواجهات الحياة اليومية، في معارك صغيرة وتافهة، لتؤكد فيها حقك بألا تكون جزءًا من المنظومة.. وتفشل دائمًا.
هذه التجربة الروائية الاستثنائية تقول إنه من هنا (حتى أنا أخشى أن أصرح)، لماذا؟ تخلص عزيز من الأسماء كلها وترك لنا (كاف) فقط، ترك لنا حرفا واحدا وربما ينتمي "لكافكا" أكثر منا، بطل الرواية المدعو "ك" إنسان وحيد، مستوحش بالأحرى، إذ إن قوة الرواية تكمن بعدم وجود حبيبة يكسر قلبها ولا أبناء يساقون إلى اليُتم من بعده.
ويتطرق عزيز إلى علاقته بأمه وأخته وأخيه، مظهراً بها إشكالية في كل صورها، إذ إن "ك" لا يستمد قيمته من شبكة علاقات اجتماعية تهيمن على حياته، من خلال قيمته من حقيقة وجوده وحدها، رغم أن الوجود في ذاته فكرة باعثة على الأسى.
كما أن الرواية مروّعة ولكن دونما مبالغة، كل سطر فيها كتب بتلك الروح المتهكمة التي تتفوق على الفجيعة بالعثور على استعارات رنانة وطريفة للسخرية من الواقع، رواية مشدودة إلى الواقع بسلكٍ قصير، تتعمد تجنب المشاهد الملحمية والعبور السريع أمام المواقف المؤثرة، لكي لا تقع في "المبالغة" أو "الابتذال".

الرواية الأولى بين الكبار

وفي حديث صحافي أجاب عزيز: "الرواية الأولى وضعت اسمي ضمن "قائمة البوكر القصيرة"، وهذا يعني الكثير لي، إذ إن الترشح لم يكن خارج الحسابات بصراحة حتى قبل تحققه، فمنذ أن قرأها المسؤولون في دار التنوير قالوا إنهم سيتقدمون بها إلى البوكر، وكانوا متفائلين بوصولها".
وأضاف "ورغم أني لم أشاركهم تفاؤلهم هذا، إلا أنني بدأت أفكر منذ ذلك الحين بمسؤولية لم أكن قبلها منشغلاً باحتمال كتابة عمل آخر، أو بالأصح لم أكن أفكر في الكتابة كهواية إلزامية، لا بد من التقدم فيها وتعضيد مسيرتها بكتب لاحقة، أما وقد ضمن العمل الأول انتشارا، فإن هذا يغير من طبيعة اكتفائي به، لأن عدم إلحاقه بآخر يُدرَج تلقائياً في باب الحذر من تحمل المسؤولية، أو كدلالة على نضوب الإلهام أو الوقوع في أسر القصة الواحدة".
وتشكلت لجنة التحكيم من الأكاديمي والناقد الأردني إبراهيم السعافين والكاتبة السلوفينية باربرا سكوبيتس والروائي الفلسطيني محمود شقير والمترجمة الجزائرية إنعام بيوض والكاتب الإنجليزي من أصل سوداني جمال محجوب.
يذكر أن الجائزة العالمية للرواية العربية هي جائزة سنوية تختص بمجال الإبداع الروائي باللغة العربية ترعاها مؤسسة جائزة البوكر في لندن وتدعمها ماليا دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، وتستحق كل رواية بلغت القائمة القصيرة جائزة مالية قدرها عشرة آلاف دولار فيما تحصل الرواية الفائزة على 50 ألف دولار أخرى.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون