العالم ما بعد 2018 .. تغيرات دولية وأمنية مستقبلية

|

يتغير العالم بشكل متسارع يوما بعد يوم، وتدخل التقنية في حياة الفرد والمجتمعات فتؤثر في سلوكه في المجتمع، وتؤثر أيضا في سلوك المجتمع داخل الدول.
يبقى التأثير في المنظومة الثلاثية، التي تتعلق بالقوة وانتقالها من جهة جغرافية إلى أخرى، ومن نمط وشكل اجتماعي إلى تقني عاملا كبيرا، ولا يزال لكل من المواصلات، والاتصال والعامل البشري، ووعيه بشأن تسيير حياته من خلال التقنية أهمية كبرى في تشكيل تلك المتغيرات. ولقد أصبح عالم اليوم متصلا بالشكل الذي يجعل كمثال: حدث في مدينة صغيرة في الهند أو المكسيك، يغير من سياسات الولايات المتحدة أو روسيا في اتجاه قضية معينة.
تتسارع التغيرات المؤثرة في العلاقات الدولية والأمن الإقليمي، وتتمثل في كل من التغيرات على مستوى المواصلات الدولية، حيث تظهر عدة خطوط وشبكات مواصلات برية من طرق وسكك حديد تدور في آسيا الوسطى، تحاول أن تغير واقع تنقلات النفط والغاز وطرق التبادل التجاري، ويؤثر ذلك في الملاحة البحرية، ومنها يتفاقم ذلك التحول إلى نقل قوة جيوبوليتيكية إلى منطقة وسط آسيا والدول المتحكمة في هذه الطرق الجديدة التي تهدف إلى تغيير الواقعين التجاري والجغرافي.
تزداد قيمة التحولات التقنية أيضا على مستوى نوع وكمية المعلومات التي يتم جمعها عن الشخص، من خلال التطبيقات الثانوية، ويعني ذلك أن المنصات الرئيسة للتواصل الاجتماعي، تحتوي على تطبيقات فرعية قد لا تملكها، تأخذ المعلومات الخاصة بالسلوك الإلكتروني والمدخلات الشخصية ومدخلات البحث، وتطورها لدراسة السلوك ومعرفة تفاصيل شخصية عن الشخص. ولم تتوقف التحولات التقنية هنا، بل تطورت لتشمل ولوجها إلى الأحياء والاختبارات الطبية ومعرفة المعلومات الحيوية عن الإنسان، وارتباطها بما يسمى المعرفات الآلة، وهو نمط من الذكاء الإلكتروني، يسعى لاستهداف مواضيع معينة، أو يستهدف من يتحدث ونفي مواضيع معينة بإغراقهم بعبارات مختلفة، تبدأ بالهجوم الشخصي وتنتهي بطرح بعض الحقائق أو تشويه أو دعم الشخص الذي يتحدث عن الموضوع أو في هذا الوسم. وقد تمكنت جهات كثيرة من تطوير المعرف الآلة لتوجيه الرأي العام عن طريق تلك المعرفات الآلة.
يضاف إلى سلسلة التحولات الدولية ما يتعلق بالمنظمات الدولية، وتقهقر بعضها ونشوء تشكيلات أخرى على مستوى تحالفات موجهة، فنلاحظ انسحابا أو تلميحا بانسحاب من منظمات دولية عدة، وهذا يؤشر إلى أن المنظمات الدولية في مرحلة إعادة تشكل بنيتيها الهيكلية والقانونية، علاوة على قضايا الفساد التي تشوب حولها من ناحية أجور الموظفين، أو أن البعثات الأممية في كثير من البلدان المحتاجة، تستولي على نسب كبيرة من المساعدات الموجهة لتلك الدول في رواتب المبعوثين الأمميين.
تحول آخر مهم على المستوى الأمني، وهو زيادة انتشار الدرونز على مختلف أنماطها وأنواعها، من نواح تكتيكية عسكرية وتجسسية وغيرها، وبالتالي نلاحظ نمطا في اتجاه استخدام معدات صغيرة أو تحويل طائرات أو معدات صغيرة إلى استخدامات عسكرية مختلفة، وهي بالتالي تستلزم سياسات وخططا لكيفية التعامل معها ودرء أخطارها، وكانت التجربة الفرنسية مثلا في مواجهة طائرات الدرونز عبر تدريب الصقور للإطاحة بها عند الاقتراب من المناطق التي يحظر فيها مثل تلك التقنيات.
تحتل كذلك التحديات المتعلقة بالتقنية والمال مكانها ضمن التحديات المستقبلية، ولا سيما مع الفقاعة المالية الماضية التي أسست نمطا جديدا للتعاملات النقدية، المتمثلة في العملات الإلكترونية وسلسلة الكتل "البلوك تشين" والمرشحة للتطور بتخزينها الهوية الرقمية والبيانات الشخصية.
صعود الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة، عبر خصخصة حتى القطاعات العسكرية، وبالتالي يتحول قطاع الأمن والقطاع العسكري إلى قطاعات تسيطر عليها الشركات وتشغلها، وتنفذ العمليات لمصلحة تلك الشركات ولمصلحة العميل.
يتطور كذلك الواقع المعزز، ويندمج مع ما يسمى البوت، وهو نظام يسيطر على مجموعة من الأنظمة الأخرى، ويتداخل معها الذكاء الاصطناعي، فيكون لدينا أشبه بالروبوت داخل الهاتف الذكي، الذي بدوره ينعكس على شكل واقع معزز عن طريق أجهزة الهواتف الذكية، وما تملكه من كاميرات تصوير أو شاشات عرض وغيرهما من الأدوات المساعدة التي ستغير كيف نشتري شيئا ما أو نفكر في قضية ما، هذه التغيرات ستحدث منافسة كبرى بين الشركات العالمية، ولا سيما في آسيا وأمريكا، وسيحفز المناخ الاستثماري المتميز، علاوة على فرص التمويل والعمال والتقنية، تمركز تلك الشركات واستثماراتها المستقبلية. وبالله التوفيق.

إنشرها