لا يبدو الأمر مثل النصر، فالصخور المحروقة والبقايا المتحجرة للأشجار الميتة منذ فترة طويلة، والرمال البيضاء الساخنة الممتدة لمسافة بعيدة هي دليل أقوى على مشهد الخراب.
نحن لا نتحدث عن صحراء، بل عن سد يقع وسط بساتين الفاكهة وملاعب الغولف في مقاطعة كيب الغربية في جنوب إفريقيا.
إن ثيواترسكلوف أكبر خزان في كيب تاون، في تضاؤل مستمر يكاد يجعله مثل قطرات ماء بعد ثلاث سنوات من الجفاف المستمر، الذي قلصه إلى عُشر قدرته الأصلية البالغة 480 مليار لتر.
من الممكن الآن التجول عبر الصفوف الشبحية لكروم تشينين بلانك، التي كانت مغمورة بالمياه عندما فاض السد في السبعينيات.
يبين ثيواترسكلوف شدة أزمة المياه التي هددت بتحويل ثاني مدينة أكبر في جنوب إفريقيا، على بعد 120 كيلومتراً، ويبلغ عدد سكانها قرابة أربعة ملايين نسمة، إلى جافة بالكامل هذا العام.
على حد تعبير الرئيس سيريل رامافوزا في كانون الثاني (يناير) الماضي، قبل أن يصبح رئيسًا لجنوب إفريقيا، تواجه كيب تاون "كارثة حقيقية وكلية". في عصر تغير المناخ، كانت أول مدينة في العالم تواجه مثل هذا المصير.
ومع ذلك وبشكل ملحوظ، نجحت كيب تاون في تفادي الكارثة - في الوقت الحالي على الأقل.
يوم الصفر، أي اللحظة الكارثية على غرار الأفلام حيث سيكون من شأن مهندسي البلدية إيقاف صنابير المياه عن الملايين من الناس، وإجبارهم على الوقوف في طوابير عند الحواجز العسكرية، قد تم دفعها إلى عام 2019.
كان مخططو المدن قد استعدوا في شباط (فبراير) الماضي لوصول يوم الصفر بحلول نيسان (أبريل) الماضي، بعد أن هبطت الأمطار السنوية من متوسط 1100 ملم في عام 2013 إلى 500 ملم فقط العام الماضي، ما أدى إلى تدمير نظام إمداد المقاطعة الذي يعتمد بشكل شبه كامل على جمع المياه السطحية.
ويدعو كثيرون بأن تهطل أمطار كافية في أشهر الشتاء القليلة المقبلة لتطهير الجفاف كليًا.
ومع ذلك، لم تأت الراحة من السماء، ولا من الأرض ولا من المحيط، بل من خلال الحيل التكنولوجية لاستغلال مكامن المياه الجوفية وتحلية مياه البحر.
وهذا يرجع إلى حد كبير إلى واحدة من حملات الحفاظ على المياه االمتاحة في المدينة، كانت الأكثر حماسة من أي وقت مضى.
خلال ثلاث سنوات، قلل سكان كيب تاون استخدامهم للمياه لأكثر من النصف من 1.2 مليار لتر في اليوم في عام 2015، إلى ما يزيد قليلاً على 500 مليون لتر في بداية هذا العام - وهو معدل قياسي.
تقول هيلين زيل، رئيسة وزراء المقاطعة الغربية ورئيسة بلدية كيب تاون السابقة: "سنصبح واحدة من مدن العالم القادرة على التكيف بيسر مع حجم الماء".
وقد شمل ذلك فرض قيود على الضواحي تبلغ 50 لتراً يومياً للشخص الواحد، مقابل متوسط استخدام عالمي يبلغ 185 لتراً، مع تحمل قطاعات رئيسة مثل السياحة والزراعة وطأة الندرة في المياه.
جمعت السلطات في حل المعضلة أساليب تراوح بين الضغوط السلوكية والثناء العام مع المراقبة القاسية والتحذيرات الرهيبة.
يقول نيل أرميتاج، أستاذ هندسة المياه المدنية في جامعة كيب تاون: "انخفض استخدام المياه بشكل مثير للدهشة. سنتكيف مع الأمر بالتأكيد هذا العام. إذا حل علينا عام جاف آخر سيئ مثل العام السابق، سيبدو الوضع كما لو أننا نستطيع البقاء على قيد الحياة مرة أخرى. لم يشعر الناس بالارتياح بأن يعاملوا مثل الأطفال المشاغبين، لكن العلاج نجح على الرغم من ذلك".
كان ذلك مثل الإنقاذ في اللحظة الأخيرة. يوم الصفر، الذي كان سيتم بموجبه تقنين حصة الفرد من المياه إلى 25 لتراً في اليوم، كان سيطلق لو انخفضت مستويات السد الإجمالية إلى 13.5 في المائة.
هي حاليا عند 19 في المائة. في مواجهة مستقبل أكثر حضرية وأكثر تباينا في المستويات، وأكثر إجهادا للنهايات البيئية، قد تنظر المدن في العالم النامي إلى مدينة كيب تاون لتعلم الدروس.
إذا فعلوا ذلك، فإنهم سيعثرون على حكاية ذات مغزى أخلاقي - حول دولة ديمقراطية شابة تواجه قرارات صعبة بشأن تقاسم الموارد الضئيلة - وفي الوقت نفسه تعالج المظالم من ماضيها والفشل المؤسسي في حاضرها.
الديمقراطية موجودة في عقل أديلسون ندالا، في الوقت الذي ينتظر فيه رجل المبيعات البالغ من العمر 27 عامًا في طابور في نبع نيولاندز عند سفح جبل تيبل، حيث جاء كثيرون خلال الأزمة لملء الحاويات البلاستيكية، لتعويض النقص الذي تسببه القيود اليومية الرسمية.
يقول ندالا: "يقف هناك الأسود والأبيض والهندي والملون مصطفين من أجل الحصول على المياه - تماماً مثلما اصطففنا جميعًا للتصويت عام 1994".
إنها صورة قوية للتضامن. لم تكن السلطات خجولة بشأن تعزيز الرسالة، في الوقت الذي تُبقي فيه الجمهور على علم بمستويات السد، واستخدام المياه.
تظهر الخريطة المشفرة بالألوان على الإنترنت مدى الالتزام بالقيود المفروضة على المياه شارعا فشارع – اللون الأخضر الداكن للشارع الجيد، والظلال الأخف للذين يتعرضون للضغط من أجل اللحاق بالركب.
وتهدف الرسوم التصاعدية على الأغنياء إلى دفع فاتورة المياه الأساسية للفقراء.
في واحدة من أكثر المدن غير المتساوية في العالم، حيث يفصل تراث الفصل العنصري الضواحي الغنية والبيضاء في الغالب، عن الأحياء الفقيرة إلى حد كبير التي يقطنها السود، تشمل الجهود المبذولة لتجنب يوم الصفر إقحام مجتمع مقسم للتفكير في المياه كمشكلة مشتركة.
عندما يتطرق معظم الناس (الذين معظمهم من الطبقة المتوسطة من البيض) إلى الأساطير الحضرية حول النفايات في البلدات، تقول السيدة زيل: "قل لهم [الحقيقة]. الناس يفهمون الأمر. إنهم على استعداد للتكيف. . . علينا تغيير ثقافة المياه لدينا".
بالنسبة للموجودين في الضواحي، التقيد بالاستخدام ضمن كمية 50 لترا يشمل حماما خاطفا لمدة 60 ثانية، مع تدفقات خفيفة لشطف المرحاض وإدارة دقيقة لمياه الغسيل.
وقد ترُكت السيارات ليتجمع عليها صدأ الأوساخ، وحدائق البيوت تحولت إلى اللون البني. بالنسبة لكثيرين في البلدات والمستوطنات العشوائية التي تضم أقل من ربع سكان كيب تاون، فإن مثل هذه الظروف تعتبر نوعا من الرفاهية.
في الواقع، يوم الصفر ما كان ليصل أبدا إلى بلدات مثل فيليبي. متوسط الاستخدام لكل شخص منذ فترة هو أقل من 25 لترا التي كانت ستفرض. يقول أرميتاج مازحا: "كثيرا ما أقول إن بقية مدينة كيب تاون تحصل على درس مستفاد، فيما يشبه العيش في المستوطنات العشوائية. على أن هذا التشبيه لا يعجبهم".
وفي حين أن أغنى الأسر في كيب تاون تقلل من استخدامها للماء كثيرا، فقد فعل كثيرون ذلك من خلال تركيب آبار خاصة وصهاريج تخزين.
يقول إلياس تانتسي، أحد سكان فيلبي: "يمكن للأغنياء أن ينجوا من الجفاف لأنهم يستطيعون شراء الماء. إنهم يهتمون بنا فحسب، عندما يكون هناك تصويت".
بالنسبة للمقيمين في البلدة، فإن الحصول على مراحيض وغسالات مزودة بنظام شطف، هي علامات مهمة على الكرامة. توقف وليم أندرو، وهو تاجر خردة يعيش على أطراف حي فقير في فيليرسدورب، عن استخدام غسالته ليبقى استخدامه للمياه في حدود 50 لترا. كما يقول: "عدنا إلى النمط القديم، نقتصد أثناء الغسيل في الحمام. من المحزن أن نعيش هكذا".
بعد عامين من انتخابات عام 1994، تضمن الدستور الديمقراطي الجديد لجنوب إفريقيا الحق في الماء للجميع. تقول ميليتا ستيل، وهي ناشطة في منظمة السلام الأخضر: "ما أوضحته أزمة كيب تاون هو أننا بعيدون جدا عن التمتع بهذا الحق".
تقول السيدة ستيل إن هذه الأزمة مرتبطة بمشكلة أعمق ساعدت في تشكيل استجابة كيب تاون للأزمات: "كان هناك فشل واضح في الحكم والشفافية والمساءلة حول كيفية إدارة المياه في جنوب إفريقيا".
لعل أكثر أمر ملفت للنظر هو أن مدينة كيب تاون كادت أن تصل إلى يوم الصفر منذ عام 1999، فقد كان طلب المدينة على المياه ثابتا بالفعل، حتى مع توسع سكانها بنحو الثلث. توفر هذه البيانات فكرة مهمة عن كيفية بقاء كيب تاون على قيد الحياة، ولكن لها دلالة كبيرة أيضاً بشأن عوامل التفرقة في سياسة المياه في جنوب إفريقيا.
لا تتحكم كيب تاون في إمدادات المياه الشاملة التابعة لها. المسؤولية تقع على عاتق الإدارة الوطنية للمياه.
في أواخر التسعينيات، طلب مسؤولو المدينة من الإدارة زيادة الإمدادات. وأصرت الإدارة على تحسينات الكفاءة للنظام، التي حققتها المدينة من خلال إصلاح التسربات وتقليل ضغط النظام.
وفرضت رسوما عالية للغاية على أكثر الناس استخداما للماء إلى جانب المبلغ الذي تشير إليه عدادات المياه. ويقول أرميتاج إن الفرق بين المياه المزودة والفواتير اليوم يبلغ نحو 15 في المائة - "على مستوى عالمي".
المدن الأسترالية، من بين أكثر المدن كفاءة في العالم، تفقد 10 في المائة. غير أن جنوب إفريقيا تستغل بشكل مفرط معظم أنظمتها النهرية، وفقاً لتقرير صادر عن معهد الدراسات الأمنية في البلاد.
الإدارة الوطنية للمياه خاضعة لسيطرة المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم الذي يرأسه رامافوزا، الذي يتولى السلطة منذ عام 1994. وقد قاد حزب التحالف الديمقراطي المعارض الأكبر لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي كيب تاون منذ عام 2006، وفاز في كيب الغربية في عام 2009.
تبادل الحزبان اللوم في أزمة المياه. الأكثر أهمية من ذلك، أن الإدارة الوطنية "انهارت إلى حد كبير"، كما تقول السيدة ستيل. وتشمل المشاكل زيادة في الإنفاق على الموازنة البالغة 14 مليار راند (1.1 مليار دولار) بمقدار ملياري راند، في حين سلطت مجموعات المجتمع المدني الضوء على مخالفات مزعومة.
وتقول الوزارة إن مواردها المالية تضررت من الديون المستحقة لها من قبل البلديات وتخفيضات الموازنة.
الوزارة هي واحدة من عدة روابط مرتبطة بالتعفن المؤسسي خلال فترة رئاسة جاكوب زوما المثيرة للجدل، التي استمرت تسع سنوات. وكان أحد إجراءات رامافوزا الأولى بعد الإطاحة بزوما في شباط (فبراير) بعد صراع على السلطة، هو طرد نومفولا موكونيان، حليف زوما، من منصب وزير المياه.
كما استثمرت كيب تاون في تجربة عدد قليل من محطات التحلية ووحدات معالجة مياه الصرف الصحي ومشاريع استخراج المياه الجوفية، ما زاد من ميزانية إنفاقها الرأسمالي بنحو 100 مليون دولار في السنة.
هذه المساهمات لن تساهم إلا بمقدار 300 مليون لتر في اليوم بحلول عام 2020. كما أن تشغيل مشروع تحلية المياه مكلف، وهي مشكلة أكد عليها الجفاف الشديد في أستراليا في العقد الأول من القرن الحالي.
تقول السيدة زيل: "ما تعلمناه من أستراليا هو أنه يمكنك إنفاق مليارات الدولارات على بنية تحتية لن يتم استخدامها بعد ذلك. تكلفة الفرصة لعمل ذلك في جنوب إفريقيا أعلى بكثير مما هي عليه في أستراليا".
التكلفة الاقتصادية لتفادي يوم الصفر ستحتاج إلى وقت لحسابها. وبينما كان اقتصاد جنوب إفريقيا راكدا خلال سنوات زوما، فإن احتضان كيب تاون للصناعات الإبداعية والخدمية يعني، بالمقارنة، أنها مزدهرة الآن. وقد تكيف كثير من هذا الاقتصاد الراقي مع ندرة المياه. تبنت المطاعم من الدرجة الأولى قوائم "جافة" تقدم على أطباق ورقية. وتعطي الصالونات خصومات للعملاء الذين يغسلون شعرهم قبل موعد قدومهم. منظمو المناسبات، من سباقات الدراجات إلى مؤتمرات الأعمال الدولية، شحنوا إمداداتهم الخاصة.
يقول تيم هاريس، رئيس Wesgro، وهي هيئة السياحة والاستثمار في كيب الغربية، إن الرسائل التي تهدف إلى جعل المستخدمين ذوي الاستخدام الثقيل يقلصون استهلاكهم للمياه كانت قاسية للغاية، إلى درجة أنها تسببت بنتيجة غير مقصودة، ألا وهي إيقاف قدوم السياح. قدرة المدينة على التكيف كانت أيضا عامل جذب، كما يضيف. أكبر ضحية ستكون الزراعة. يأتي نصف صادرات جنوب إفريقيا الزراعية التي تزيد قيمتها على عشرة مليارات دولار من منطقة كيب الغربية، وخاصة المنتجات عالية القيمة وكثيفة استخدام المياه مثل الحمضيات.
واضطر المزارعون إلى خفض استخدام المياه بنسبة 40 في المائة. وكانت المياه المحررة من سدود الري المملوكة للقطاع الخاص - التي تستخدم عادة للمحاصيل والبساتين - أساسية أيضا في دفع "يوم الصفر" إلى الوراء. ويحذر المزارعون من أنهم سيحسبون التكلفة في البساتين المقتلعة والمحاصيل المقلصة لسنوات مقبلة. انخفض الإنتاج بنسبة الخمس في المتوسط، وفقا لمسؤولي المالية بالمدينة. الآلاف من عمال المزارع يواجهون التسريح، ما يزيد التوتر الاقتصادي في أماكن أخرى. يقول بيثويل سميث، وهو يعمل كجامع لثمرات التفاح: "إن لم أكن أعمل، فسأضطر إلى العودة إلى كيب الشرقية"، وهي إحدى أفقر المناطق في جنوب إفريقيا.
مع ذلك كان من الممكن أن تكون الأمور أسوأ من ذلك بكثير. بالنسبة لهذا العام تجنبت كيب تاون الكارثة في اللحظة الأخيرة.
يقول أرميتاج إنه مع استهلاك المياه السطحية عالميا، فإنه من غير المرجح للعالم أن يرى عددا أكبر من السدود مثل ثيواترسكلوف، وهي تُبنى لمنع الحالات الطارئة في المستقبل.
ويضيف: "نحن رسميا في نهاية عصر السدود. ستكون المحافظة على المياه هي اللعبة المهمة بالنسبة للمستقبل المنظور – وبرهنت كيب تاون على كيفية القيام بذلك".
إطار

