وفقا لعديد من المؤشرات والمعايير الاقتصادية، فإن شركة "أمازون" للتجارة الإلكترونية تعد ظاهرة اقتصادية يصعب إنكار تأثيرها في حركة التجارة، خاصة تجار التجزئة في كثير من دول العالم.
ففي منتصف شهر شباط (فبراير) الماضي، تجاوزت القيمة السوقية لـ "أمازون" لأول مرة، القيمة السوقية لعملاق صناعة التكنولوجيا الأمريكية "مايكروسوفت"، لتصبح بذلك ثالث أكبر شركة في العالم من حيث القيمة السوقية.
والنتيجة بلوغ قيمة "أمازون" في أسواق البورصة العالمية 702.46 مليار دولار، مقابل 699.22 مليار دولار لـ "مايكروسوفت"، وبات جيف بيزوس "54 سنة" رئيس مجلس إدارتها أغني رجل في العالم، لتصل ثروته الشخصية إلى 134 مليار دولار.
وأسس بيزو شركة أمازون عام 1994 كشركة لبيع وتوزيع الكتب عبر الإنترنت، قبل أن تتحول إلى شركة عالمية للتجارة الإلكترونية وشركة لخدمات الحوسبة السحابية، وفي عام 2013 اشترى "بيزو" صحيفة "واشنطن بوست"، كما أسس شركة خاصة لصواريخ الفضاء باسم "بلو أوريجن".
ويبدو أن "وول ستريت" أصبحت متحمسة جداً بعد النتائج المالية للربع الأول المذهلة التي أعلنت عنها "أمازون" أخيراً، حيث أصبح المحللون أكثر ثقة بشأن مستقبل الأعمال الجديدة لشركة تجارة التجزئة، بما في ذلك خدمات الاشتراك والإعلانات والحوسبة السحابية.
وأعلنت "أمازون" عن نتائجها للربع الأول، حيث فاقت أرباحها التوقعات، ومنحت المحللين فكرة عامة عن أرباحها للربع المقبل، حيث سجلت أرباحاً 1.6 مليار دولار مقابل 724 مليون دولار في الربع المقابل من العام الماضي.
وعلى أثر ذلك، قفزت ثروة جيف بيزوس مؤسس "أمازون" بأكثر من 12 مليار دولار بناء على سعر السهم عند 1614 دولارا، مسجلة 134 مليار دولار، بحسب مؤشر "بلومبيرج" للمليارديرات، وصعد سعر السهم بنسبة 30 في المائة هذا العام.
وأوصى بنك "جولدمان ساكس" في مذكرة شراء أسهم "أمازون" ورفع السعر المستهدف للسهم إلى ألفي دولار، صعوداً من 1.825 دولار، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 32 في المائة من سعر إغلاقه يوم الخميس الماضي.
في حين أوصت مؤسسة "ستيفل" البحثية هي الأخرى المستثمرين بشراء أسهم الشركة، ورفعت السعر المستهدف للسهم إلى 2020 دولارا من 1800 دولار.
وأعرب عديد من المحللين عن تفاؤلهم بشأن رفع سعر الاشتراك في عضوية خدمة "أمازون برايم"، حيث كشفت الشركة عن عزمها زيادة سعر الاشتراك في العضوية السنوية للخدمة بنسبة 20 في المائة إلى 119 دولاراً من 99 دولاراً.
ويعود هذا الارتفاع فى العائدات والأرباح إلى "خدمة الحوسبة السحابية" التى ارتفعت بنسبة 49 في المائة، وبلغت الإيرادات من هذه الخدمة 5.4 مليار دولار.
وقال جيف بيزوس المؤسس والمدير التنفيذى لـ "أمازون"، "إن خدمة الحوسبة السحابية تعتبر وسيلة جيدة للمطورين فى مواصلة أعمالهم بخفة وأكثر سهولة".
وكشف بيزوس فى خطاب المساهمين الأسبوع الماضى أن هناك الآن أكثر من 100 مليون مشترك لبرنامج "برايم"، وهو برنامج عضوية سنوي يقدم امتيازات شحن وبث فيديو.
ومن المنطقي للغاية أن يكون لشركة تعمل في مجال تجارة التجزئة الإلكترونية، وتملك كل تلك الإمكانيات المالية الضخمة، تأثيرات عظيمة الشأن ومتعددة في تجارة التجزئة، سواء تعلق الأمر بشكلها التقليدي الذي يعرفه البشر منذ مئات بل آلاف السنين، أو في أنماط السلوك الاستهلاكي للمتسوقين.
وربما يتجلى ذلك التأثير في بروز مصطلح متداول في النقاشات الاقتصادية التي تبحث في تأثير "أمازون" في شركات تجارة التجزئة التقليدية يعرف باسم "تأثير أمازون"، فماذا يعني هذا المصطلح؟
الدكتور نايت كينت أستاذ التجارة الدولية يعتقد أن "أمازون" أعادت تشكيل الطريقة التي تعمل بها شركات تجارة التجزئة والتجارة الإلكترونية، وكل عام تصبح العلامة التجارية لـ "أمازون" أكثر رسوخا في حياة المستهلكين، وتنمو بصماتها عبر الصناعات الجديدة، ومن المستحيل الآن العثور على تاجر تجزئة لم يشعر بتأثير "أمازون".
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "الشعبية الطاغية لـ "أمازون"، لا تزال تشهد نموا هائلا كل عام، ففي عام 2016 ارتفعت مبيعاتها في أمريكا الشمالية فقط بنحو 25.2 في المائة، بينما ارتفعت مبيعات تجارة التجزئة الإلكترونية بنحو 15.6 في المائة، فالمستهلكون يسعون حاليا إلى إيجاد طريقة لخفض متطلبات التسوق داخل المحال التجارية والمتاجر، وغالبا ما يكون البديل الملائم لهم هو التبضع عبر الإنترنت وتحديدا من "أمازون".
وأوضح كينت أنه يمكن القول إن مصطلح "تأثير أمازون" هو مصطلح واسع يصف التغيير في عادات العملاء بعد ارتفاع شعبية "أمازون"، والتسوق عبر الإنترنت بشكل عام، ومن ثم فإن هذا المصطلح يشير إلى التطور المستمر للتجارة الإلكترونية وتجارة التجزئة ودمجهما مع مرور الوقت.
من جهتها، تعتبر الدكتورة جوليا جراهم أستاذة علم الاقتصاد المجتمعي أن "أمازون" أحدثت تأثيرات خطيرة في سلوكيات عمليات البيع والشراء، فقد أدخلت المستهلكين في عملية تسوق خالية من الاحتكاك تماما، مع نتائج شبه فورية، نتيجة السرعة في عمليات تسلم المشتريات.
وتضيف لـ "الاقتصادية"، أن "كثيرا من النساء المصابات بخجل من شراء ملابسهن الخاصة من المحال التجارية أو المتاجر يقمن بذلك عبر "أمازون"، وهذا النمط السلوكي سيكون له مزيد من التداعيات على النشاط التجاري لمحال التجزئة التقليدية".
وقد انعكس التغير في السلوك الاستهلاكي للمستهلكين، في إغلاق عديد من العلامات التجارية التقليدية، متاجرها جزئيا أو بشكل كامل نتيجة الخسائر التي تعرضت لها بسبب تحول المستهلكين إلى الشراء عبر مواقع التجارة الإلكترونية خاصة "أمازون"، لكن هل تأثير "أمازون" حقيقي أم أن ما يحدث مجرد عملية طرد طبيعية للشركات الضعيفة من الأسواق؟
ويرى دانيس جرين رئيس رابطة تجار التجزئة في المملكة المتحدة، أن "أمازون" ليست أكثر من سمكة قرش مفترسة تقطع أوصال تجارة التجزئة، فعديد من المحال التجارية تغلق أبوابها وتتحول إلى مطاعم، وعمليات الإفلاس نتيجة "أمازون" واستقطابها المتسوقين ظاهرة تجتاح أمريكا الشمالية وعديدا من بلدان أوروبا الغربية". ويضيف جرين أنه "على الرغم من أن إجمالي الإنفاق على البيع بالتجزئة في المملكة المتحدة على سبيل المثال ارتفع بنحو 17 في المائة على أساس سنوي في السنوات الخمس الأخيرة، فإن جزءا بسيطا للغاية لا يتجاوز 3 في المائة ذهب إلى متاجر بيع التجزئة التقليدية، بينما ذهب الجزء الأكبر إلى التجارة الإلكترونية وتحديدا "أمازون"، والنتيجة إغلاق مزيد من المحال التجارية وتسريح العاملين فيها، والأخطر عدم ضخ رجال الأعمال استثمارات في هذا المجال، وهو ما قد يعني أن الشوارع التجارية الكبيرة التي تمثل عنصرا تقليديا لجذب مزيد من السائحين سنويا لبريطانيا ستتضرر مستقبلا، فعملية التبضع في الأسواق جزء من النفسية التي تهيمن على السائح عند زيارته أي دولة، بل في كثير من الأحيان تكون السبب الرئيسي وراء سفره إلى الخارج، فلا أحد يقطع تذكرة سفر ويقضي عدة ساعات في المطار والطائرة، ويقضي أياما في دولة أخرى، لزيارة المطاعم فحسب، إنما يقوم بذلك لشراء ملابس له ولأسرته".
وتتفق تلك الرؤية مع قناعات سائدة لدى عدد من الاقتصاديين الأمريكيين بأن "أمازون" تأكل عالم التجزئة، ويشير بعضهم إلى أن "أمازون" تملك حاليا 5 في المائة من سوق التجزئة الأمريكية باستثناء المواد الغذائية، كما أن حصتها من الفئات الرئيسية من أغلب السلع في تسارع دائم، ويترجم هذا النجاح في الارتفاع الدائم لأسهم الشركة في البورصة الأمريكية، بحيث تقدر قيمة كل ألف دولار استثمرت في أسهم "أمازون" قبل عقد من الزمان بأكثر من 12 ألف دولار حاليا.
في مقابل وجهة النظر السلبية تلك بشأن تأثير "أمازون" في تجارة التجزئة، تعتقد الدكتورة ماري جولدمان أن الأمر لا يتعدى مرحلة انتقالية ستستعيد بعدها أسواق تجارة التجزئة التقليدية موقعها، عبر إعادة صياغة نفسها للتأقلم مع المتغيرات الجديدة، الناتجة ليس عن "أمازون" بقدر ما أنها رد فعل طبيعي للتقدم التكنولوجي.
وتوضح لـ "الاقتصادية"، أنه "لا تزال هناك فرصة لمحال البيع بالتجزئة على مواجهة "أمازون"، فسوق الملابس في الولايات المتحدة سواء عبر الإنترنت أو المحال التجارية بلغت العام الماضي 200 مليار دولار، حصة "أمازون" لم تتجاوز منها 4.3 مليار دولار، وهذا يعنى أن التغير في سلوك المتسوقين لم يتغير بعد بشكل جوهري، وأن المستهلك لا يزال مرتبطا بعلاقة قوية بأنماط البيع والشراء التقليدية، ولهذا فإن أفضل طريقة لمحال تجارة التجزئة أن تستثمر في الجانب التقني في أعمالها، ولا تخشى الابتكار عندما تكون التكنولوجيا الجديدة متاحة لدعم تلك الابتكارات، فنحو 31 في المائة من محال البيع بالتجزئة ليس لها مواقع على الشبكة العنكبوتية".
وتستدرك جولدمان "معظم الأسماء والعلامات التجارية التي تغلق أو تقلص نشاطها، لا يعود الأمر في مجمله إلى التأثير السلبي لـ "أمازون" فيها، إنما يعود إلى عدم قدرتها على التأقلم مع المتغيرات الجديدة في الأسواق، وسبب نجاح "أمازون" يكمن في قدرتها على جذب المواهب التقنية الكبيرة التي تسمح لها بالابتكار الفعال، وهو ما تفتقده محال البيع بالتجزئة خاصة الصغيرة منها". وكانت دراسة بحثية لجامعة ليدز قد كشفت عن مجموعة من النتائج المهمة التي تساعد محال البيع بالتجزئة على تعزيز موقعها التجاري في مواجهة "أمازون"، حيث وجدت أن مراكز التسوق المزودة بخدمات تضيف قيمة للمتسوقين، ربما تكون أكثر جاذبية من الشراء عبر موقع أمازون، فمناطق اللعب للأطفال، وصالات الراحة المجانية للعملاء، تجذب المستهلكين بشدة، كما أن الطلب عبر الإنترنت والتسلم من المحل التجاري أو المتجر يمثل وسيلة جذابة أيضا لكثير من المتسوقين.


