كيف نستفيد من طريقة القيادات في حل المشكلات؟ «3»

|

ما زلنا في موضوع كيفية الاستفادة من طريقة القيادات في حل المشكلات. فقد ذكرت من قبل أن الخطوات العلمية لاتخاذ القرارات ليست حكرا على المديرين التنفيذيين للمنظمات بل إنها مشاعة لنا جميعا قياديين ومرؤوسين أفرادا وجماعات، وهذه الخطوات هي "تحديد المشكلة" ثم جمع البيانات، أي استخلاص الحقائق المحيطة بالمشكلة، والخطوة الثالثة "تحديد البدائل" أي البحث في الحقائق المحيطة بالمشكلة بعدها تظهر أمام الفرد عدة بدائل (قرارات) من الممكن أن تكون جميعها حلا لمشكلته عليه أن يختار قرارا واحدا بعد دراسة البدائل كافة.
ولتوضيح عمل آلية القيادات في اتخاذ القرارات وكيف نستفيد منها كأفراد سأستعين بمثال ضربه ديل كارنجي في كتابه الأسطوري "دع القلق وابدأ الحياة" صفحة 62، يقول كارنجي على لسان رجل أعمال يدعى جالنليتشفليد "عندما غزا اليابانيون هاربور وبدأوا يتدفقون على شنغهاي عام 1942 كنت إذ ذاك مديرا لشركة آسيا للتأمين على الحياة فما لبثوا أن أرسلوا ضابطا يطلب تصفية ممتلكات الشركة ولم يكن لي الخيار في الأمر لأنني إذا لم أفعل فليس أمامي إلا الموت. ولهذا قمت بإعداد قائمة بممتلكات الشركة سلمتها للضابط غير أني أسقطت منها مبلغ 750 ألف دولار، وقد ساورني الخوف خشية أن يكون مصيري الموت في الماء المغلي إذا اكتشف اليابانيون ما فعلته وقد اكتشفوه بالفعل ووصفوني باللص الخائن".
وأضاف رجل الأعمال "وعمل كهذا ينم عن تحد للجيش الياباني واستهزاء به وهذا ليس له عقاب سوى الزج بي في السجن الذي يطلق عليه "بيت الجسر". وبيت الجسر هذا يتخذه الجستابو الياباني مكانا للتعذيب طويل الأمد يؤدي بالسجين في نهاية المطاف إلى قتل نفسه من شدة ما يلاقيه من الويلات".
وأردف قائلا "لقد أنبأني رئيس الحسابات بهذا بعد ظهر يوم الأحد وكنت خليقا أن أهلك رعبا لو لم تكن لي طريقة خاصة أتبعها في حل مشكلاتي. فكنت كلما ساورني القلق أغلق علي الباب وأدون في ورقة سؤالين اثنين فقط وهما:
1. فيم يساورني القلق؟
2. ما الذي يسعني أن أفعله لأكف عن هذا القلق؟
ومن ثم قصدت بعد ظهر يوم الأحد الذي سمعت فيه بتهديد الأدميرال الياباني إلى غرفتي في جمعية الشبان المسيحية بشنغهاي وعمدت إلى كتابة ما يلي:
السؤال الأول: لماذا يساورني القلق؟
وقد كانت إجابتي (لأنني أخشى أن يزج بي في سجن "بيت الجسر" غدا صباحا).
السؤال الثاني: ما الذي يسعني أن أفعله لأكف عن القلق؟
وعندئذ أنفقت ساعات طويلة في التفكير وخلصت إلى أربعة قرارات أستطيع أن أتخذ واحدا منها دونتها ودونت معها جميع الاحتمالات الممكنة وهذه القرارات هي:
القرار الأول: أستطيع أن أوضح للأدميرال الياباني الأمر وأشرح له سبب إسقاط مبلغ 750 ألف دولار بأنه يخص فرع الشركة في هونج كونج ولكنه لا يتكلم الإنجليزية، وإذا حاولت أن أستعين بمترجم فقد أثير غضبه مرة أخرى وهذا يعني موتا محققا فهو غليظ القلب.
القرار الثاني: يمكنني الهروب من المدينة ولكن هذا غير ممكن فإنهم يتتبعون خطواتي على الدوام ويتحتم علي أن أسجل مواعيد دخولي وخروجي، ولو حاولت الهروب وقبضوا علي فإنني سأعدم رميا بالرصاص.
القرار الثالث: أستطيع أن أمكث هنا في غرفتي ولا أذهب إلى الشركة ولكنني إن فعلت هذا فسيشتبه الأدميرال الياباني في أمري ويظن أنني أختبئ من أجل أنني فعلت شيئا مريبا وهذا سيثير الشبهات حولي.
القرار الرابع: من الممكن أن أذهب إلى مكتبي في الشركة غدا صباحا كعادتي وكأن شيئا لم يحدث فإذا فعلت هذا فمن المحتمل أن الأدميرال مشغول فلا يتذكر حالتي، وإذا افترض وتذكرها فمن المحتمل أن يكون قد هدأت نفسه فلا يناقشني في الأمر، وحتى إذا فرض وفتح الموضوع فستكون لدي فرصة لأوضح له السبب.
ومكثت ساعات أقلب هذه (البدائل) القرارات الأربعة وخلصت إلى أن اختيار القرار الرابع يعطيني فرصتين للنجاة. وبمجرد وصولي إلى هذا القرار أحسست بالراحة التامة وذهب عني القلق ونمت تلك الليلة قرير العين. وفي صباح اليوم الثاني دخلت مكتبي ووجت الأدميرال جالسا والسيجارة في فمه فنظر إلي كعادته ولم يقل شيئا ولا في الأيام التالية. وبعد عدة أسابيع دعي الأدميرال إلى طوكيو وبذا اختتمت متاعبي وزال همي.
يقول رجل الأعمال "لعلني أدين بنجاتي من موت محقق لجلستي تلك بعد ظهر يوم الأحد وكتابة القرارات الأربعة التي يمكن أن أتخذ واحدا منها وعواقب كل قرار، ولو أنني لم أفعل ذلك فربما ترددت واضطربت واتخذت قرارا غير مدروس توحيه اللحظة، وربما انتابني القلق وتولاني الفزع فجلب لي الأرق وحرمني النوم، وقد أذهب إلى مكتبي في صباح اليوم التالي وقد ارتسم القلق والانزعاج على وجهي، وهذا وحده كفيل بإثارة الشكوك حولي".
إن كل ما فعله رجل الأعمال الذي سرد كارنجي قصته في كتابه هو تطبيقه الطريقة العلمية التي يتبعها القياديون في حل مشكلاتهم التي سبق أن بينتها في المقالين السابقين وهي تحديد المشكلة ثم جمع البيانات يليها تحديد البدائل ومن ثم الاختيار من بين هذه البدائل. هذه قصة واقعية لتوظيف خطوات اتخاذ القرار طبقها رجل الأعمال فأنقذت حياته بتوفيق من الله، أليس من الممكن أن نستفيد منها نحن في حل أي من مشكلاتنا التي تؤرق مضاجعنا؟

إنشرها