العطر الناقص

|

عانى زميل دراسة قديم ظروفا عائلية صعبة حرمته من متابعة دراسته، توقف عند مرحلة الثانوية، جميع رفاقه حصلوا على الجامعة وما فوقها إلا هو، شعرنا بالحزن عليه لأنه لا يقل كفاءة عن أي شخص آخر نال البكالوريوس وحتى الدكتوراه، ظروفه المعقدة وحظه العاثر هما السبب في عدم استكماله الدراسة وقتئذ.
أجمل ما في الأمر أنه رغم كل الحسرة التي ندرك أنها تسكنه وتستوطنه ظل محافظا على ابتسامته الواسعة وإخلاصه في وظيفته البسيطة، الكل كان يحبه ويناديه ويقترب منه.
كان يعمل بتفان كبير يلمسه من يعمل معه ومن لا يعمل. هذا الإخلاص الذي يتدفق من أصابعه وخطواته التي يشهدها أي مكان يعمل فيه جعلته محل حفاوة الجميع، الكبار والصغار.
لم يكن يؤدي العمل كاملا، كان يؤديه كاملا مع إضافة، فإذا طلب منه تقرير قدمه مع عرض بصري جذاب، ناهيك عن حرصه على استشارة ثلاثة أو أربعة زملاء يثق برجاحة رأيهم.
وعندما تقدم للحصول على بعثة داخلية لمتابعة دراسته لم يتردد رئيسه في دعمه بكل السبل حتى منحه الفرصة، أربع سنوات وأكمل صاحبنا دراسة البكالوريوس وعاد إلى وظيفته بشهية أكبر وحماس أكثر ولَم يكمل عامين حتى ارتحل مبتعثا إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الماجستير في إحدى أهم الكليات في تخصص تقنية المعلومات، ورجع إلى وطنه مكللا بالشهادة والتقدير وتبوأ مركزا يليق بوعيه وطموحه.
تأخر نحو 11 عاما عن الركب، لكنه عاد وسبق الجميع.
الفضل في هذه العودة الساحرة بعد توفيق الله يعود إلى العطر الذي يرشه على أي عمل يقدمه ويجعله يحظى بدعم وتقدير خاص وكبير من رؤسائه.
نعمل كثيرا لكن ننسى أن نرش هذا العطر الذي يترك أثرا مختلفا على أعمالنا والانطباعات عنا، يظل عبقه طويلا في الصدور والأعماق.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها