الناس

السينما في السعودية .. العود أحمد و«الأنس» يُحمد

لا يكره الترفيه عن النفس وإشاعة الفرح والأنس بين الناس إلا مرتاب وصل حدّ التوحش. واليوم تعود صالات السينما السعودية بقرار رسمي تتبناه رؤية طموحة وقيادة شابة تأخذ "جودة الحياة" وترشيد الهدر الواقع سياحيا وترفيهيا بعين الاهتمام. لتشيع من جديد أجواء الاجتماع والألفة المحلية بين أصدقاء وعوائل سعوديين لم يكونوا يوما بمعزل عن عروض السينما الجادة والضاحكة طيلة 40 عاما غير أنهم كانوا يقطعون لأجلها المسافات الطويلة خارج الحدود، بعد أن كانت -ولعقود- عرباتها المتنقلة وأحواشها الواسعة ملء بصر المواطن وعين المسؤول.
بل إن التاريخ وبشهادة المؤرخ السينمائي الأشهر جورج سادول في كتابه "تاريخ السينما في العالم" يذكر للملك فيصل بن عبدالعزيز إبان افتتاحه للتلفزيون السعودي عقده اتفاقات مع شركات أمريكية لبناء "شبكة من دور السينما في السعودية". كما أشار سادول في كتابه الصادر عام 1966 لشراء الملك فيصل نسختين من فيلم "لورانس العرب" الشهير والحائز على أوسكار أفضل فيلم 1962 أثناء إقامته في لندن فيما يبدو استعدادا لعرض الفيلم محليا حين عودته.
اهتمام رسمي بجودة المعروض ومواكبة العالمي يقابلها عفوية شعبية في التلقي والأنس والاجتماع. هكذا كانت أجواء الستينيات والسبعينيات الميلادية محليا. المعروفة ثقافيا بما قبل الصحوة. إلى أن أشعلت بعض الأحداث الداخلية كحادثة الحرم الشهيرة وأجواء الجوار المشتعلة أساسا بوصول الملالي الطائفيين لسدة الحكم مخاوف عظيمة، منها المبرر ومنها غير المبرر. لكن النتيجة في المحصلة جارت مخاوف الحاضر عوضا عن محاولة تجاوزها. فكان التواطؤ المضمر بضرورة إيقاف أو تأجيل كثير من مظاهر التحديث المزمع إقامتها بما فيها شبكة دور السينما الأمريكية التي أقرها الملك فيصل آنذاك.
ولأن العودَ وإن طال أحمد والأنس وإن غاب يُحمد قيض الله مجددا لبلاد منهجها الوسط وديدنها الاعتدال حكيما شيمته الحزم وولي عهدٍ لا ينقصه العزم. فكانت المبادرات التحديثية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تترى. لتعيد لهذه البلاد خلال ثلاث سنوات فقط كثيرا مما فقدته وسط مجاذبات إقليمية متشددة لم يسلم منها القاصي أو الداني. وكأن التاريخ يعيد التاريخ نفسه بالاتفاق مع شركات عرض سينمائية أمريكية، ولكن بتوقيع وتنفيذ عراب "الرؤية السعودية 2030" هذه المرة أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من الناس