ما «الأسعار المناسبة» للأراضي والمساكن؟

|

دائما ما نقرأ ونستمع في التصريحات الصادرة عن وزارة الإسكان إلى عبارة "نستهدف توفير مساكن للمواطنين بأسعار مناسبة"، تبدأ الإشكالية من كلمتي "أسعار مناسبة"؛ التي يختلف جذريا تفسيرها حسب الطرف المتلقي لها، وحيث إنه يغيب عني تفسيرها المقصود حسب رؤية وزارة الإسكان، إلا أنها ستكون مفهومة ومعلومة إلى حد بعيد بالنسبة للمواطن الباحث عن تملك مسكنه، حسب قدرته من حيث مستوى الدخل ومن حيث قدرته الائتمانية، وستكون عبارة "أسعار مناسبة" مفهومة ومعلومة تماما بالنسبة للتاجر العقاري، سواء كان من ملاك الأراضي أو من المطورين. المؤكد هنا؛ أن الفارق بين ما هو "سعر مناسب" للمواطن الساعي لتملك مسكنه، وما هو "سعر مناسب" للتاجر العقاري الساعي لبيع أرضه أو منتجه العقاري، فارق كبير جدا حسبما هو مشاهد الآن في السوق، ووفقا لما سيأتي هنا من إيضاح أكثر تفصيلا لهذا الفارق الكبير "الفجوة السعرية الكبيرة".
يمكن تحديد "السعر المناسب" لتملك المواطن مسكنه، الذي سيسهم في تحقيق الهدف التنموي والحيوي بتوفير مساكن بما يناسب المواطنين، بالاعتماد هنا على مضاعف سعر المسكن إلى دخل المواطن السنوي، الذي يراوح بين أربعة وخمسة أضعاف، المتمثل في عدد السنوات اللازمة لامتلاك الفرد مسكنه، بقسمة السعر السوقي للمسكن المستهدف بالشراء على إجمالي دخله السنوي كاملا دون أي خصم منه، وحال ظهور قيمة الناتج لتلك العملية المحاسبية بأرقام تبدأ من خمسة أضعاف "سنوات" فما دون، فذلك يعني أن "الأسعار مناسبة" وعادلة أيضا، فيما ستعد أسعارا غير مناسبة إذا ما تجاوزت معدل خمسة أضعاف "سنوات" فأكثر، وبالنظر إلى المضاعف الراهن في سوقنا العقارية حسب أحدث بيانات السوق العقارية، ووفقا لنتائج مسح التوظف والأجور "الهيئة العامة للإحصاء"، فالمضاعف يتحرك بين 15 ضعفا و20 ضعفا، علما بأنه كان يستقر خلال 2014 وما قبله من أعوام قليلة في مستويات أعلى من 25 ضعفا، إلا أن التصحيح المحدود للأسعار المتضخمة (بنحو 30 في المائة) خلال الفترة 2014 ـــ 2018، أسهم في خفض ذلك المضاعف لما دون 20 إلى 15 ضعفا حسب اختلاف المواقع والمدن، إلا أنه ما زال مرتفعا جدا مقارنة بقيم المضاعف المناسبة والعادلة للأسعار، وهي القيم التي تبدأ من خمسة أضعاف "سنوات" فأقل.
بناء عليه؛ ووفقا للنتائج الأخيرة لمسح التوظف والأجور 2017 الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء، الذي حدد المتوسط العام لأجور السعوديين "الذكور، الإناث" العاملين في مختلف القطاعات عند 7372 ريالا شهريا (88470 ريالا سنويا)، فالحديث هنا عن أسعار مناسبة للمساكن تراوح بين 354 ألف ريال و442 ألف ريال للمسكن الواحد. وبالنظر إلى متوسط الأسعار الراهنة للوحدات السكنية "الفلل السكنية" في سوق العقار، على الرغم من انخفاضها بمتوسط 30 في المائة خلال 2014 ـــ 2018، إلا أنها تعد أعلى من تلك المستويات المناسبة والعادلة بمضاعفات تتأرجح بين ثلاثة وأربعة أضعاف تلك الأسعار، وهو ما يعني للوصول فعليا بالأسعار المتضخمة الراهنة للمساكن إلى مستوياتها "المناسبة" أمام الشريحة الأكبر من المواطنين، أن يحدث انخفاض في أسعار المساكن بنسب تراوح بين 60 و70 في المائة، التي سينتج عنها انفراج مهم في أزمة تملك المساكن بالنسبة للمواطنين، ويحدث بناء عليه تقدم فعلي وملموس على طريق معالجة تلك الأزمة التنموية الكأداء.
وفي هذا السياق؛ يجب الأخذ في عين الاعتبار شريحة ذوي الأجور الأدنى، مقارنة بذلك المتوسط العام للأجور المشار إليه أعلاه، الذين يمثلون شريحة كبيرة في منشآت القطاع الخاص، حيث كشفت بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بنهاية 2017 عن وجود 843.1 ألف عامل سعودي (47.4 في المائة من إجمالي العمالة السعودية بالقطاع الخاص)، أن أجورهم الشهرية تبلغ ثلاثة آلاف ريال شهريا فما دون (36 ألف ريال سنويا)، وهو ما يعني أن "الأسعار المناسبة" للمساكن الملائمة لهذه الشريحة من المواطنين وفقا للمضاعف المشار إليه أعلاه، ووفقا لمستوى أجورهم السنوية، يجب أن تتحرك تلك "الأسعار المناسبة" للمساكن بين 144 ألف ريال و180 ألف ريال كحد أعلى، وهي الوحدات السكنية غير المتوافرة بتلك المستويات السعرية المتدنية في السوق خلال الفترة الراهنة، الذي يقتضي بدوره وأهميته من وزارة الإسكان، أن تعمل على ابتكار وتصميم برامج إسكان خاصة جدا تستهدف هذه الشريحة الكبيرة من المواطنين، تختلف تماما عما هو موجود حتى تاريخه، وتتطلب اهتماما أكبر من لدن وزارة الإسكان، وهو الأمر الممكن تحقيقه متى نجحت الوزارة في إحداث تغيير شامل لبرامجها الراهنة، التي تم التركيز فيها بدرجة أكبر على آراء القطاع الخاص، عبر برامج الشراكة مع منشآته "شركات التطوير العقاري"، دون النظر بدرجة كافية إلى مستويات دخل الأفراد الباحثين عن تملك مساكنهم، وهل ما تقوم به من عقد لمئات الشراكات مع القطاع الخاص، تعد أسعارها مناسبة لشرائح المواطنين حسب مستويات دخلهم أم لا؟
آتي الآن لمستوى "الأسعار المناسبة" من وجهة نظر تجار الأراضي والعقارات والمطورين، التي لا عجب أبدا أنها تفوق حتى المستويات الراهنة للأسعار، التي تعرضت للانخفاض في المتوسط بنسبة 30 في المائة خلال 2014 ـــ 2018، ولا عجب أن قرأت أو سمعت منهم أنها يجب أن تتنامى سنويا حسب وجهة نظرهم، المستندة طبعا إلى تحقيق أهدافهم الربحية دون النظر إلى أية اعتبارات أخرى، بمعدلات 10 إلى 15 في المائة سنويا، أي أن ما سعره في الوقت الراهن يبلغ 1.0 مليون ريال، يجب أن يصل إلى 1.15 مليون بعد عام من الآن، ويصل في منظور نهاية عقد زمني قادم وفق معدلات الربحية تلك إلى أعلى من 3.5 مليون ريال!
الخلاف الكبير جدا هنا بين الأطراف كافة (وزارة الإسكان، المجتمع، تجار الأراضي والعقارات)، يقوم على اختلاف التفسير للارتفاع (التضخم) الراهن في أسعار الأراضي والعقارات، أي ما الأسباب الفعلية التي أدت إلى تضخم الأسعار وارتفاعها؟ وهو ما سبق الحديث عنه بصورة أكثر تفصيلا وإيضاحا في تقارير ومقالات سابقة، وأنه في الأغلب إن لم يكن كله، نتج عن ترسب تشوهات هائلة في سوق العقار المحلية (احتكار، مضاربة)، أقرت الدولة -أيدها الله - لمحاربتها نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، كأول أداة لردعها ومحاربتها. عدا الممارسات الفاسدة الأخرى التي اقترنت بها تلك التشوهات، من استحواذ غير مشروع على مساحات شاسعة من الأراضي، والتلاعب بالأسعار عبر كثير من المساهمات العقارية والمزادات المقترنة بها، بدأت الدولة ـــ أيدها الله ـــ بالضرب على رأسه خلال الأعوام الأخيرة بصورة حازمة وصارمة. أشير إلى هذه الأسباب هنا، كونها العامل الأكبر والأهم الذي وقف خلف التضخم العقاري الراهن، والتأكيد للأطراف كافة (الإسكان، المجتمع، التجار) أن الدفاع عن مستويات الأسعار المتضخمة الراهنة كنتيجة، يعني الدفاع عن تلك التشوهات العقارية والممارسات الفاسدة التي صاحبتها كأسباب وقفت خلف تلك النتيجة! ومتى ما شهدنا جميعنا سقوطا حقيقيا لتلك النتائج مماثلا لسقوط الأسباب التي أدت إليها، فإننا بكل تأكيد سنصل إلى أدنى اختلاف حول "الأسعار المناسبة" للأراضي والمساكن. والله ولي التوفيق.

إنشرها