ثقافة وفنون

فيلم «المكان الهادئ» .. حديث الصمت

أن يتسمر المشاهد نحو الساعة والنصف على مقعده، مستغرقا في مشاهد صامتة، ومتأرجحا بين انقباض أعصابه وتسارع نبضات قلبه، مأسوراً بحزمة من التفاعلات والمشاعر الغريبة والمتدفقة بغزارة لمواكبة وتيرة تسارع وتصاعد الأحداث والأصوات القليلة من هنا وهناك، فهذا دليل دامغ على أننا أمام فيلم ناجح بكل المقاييس. فما بين ضجة الأحداث وتعابير الممثلين وصمت المكان يعيش المشاهد لفيلم a quiet place - المكان الهادئ، مغامرة من الطراز الفريد، تعود به إلى عشرينيات القرن الماضي عندما كانت الأفلام الصامتة في أوجها إبان اختراع السينما، لكن هل تعود السينما الصامتة إلى الحياة من جديد؟

العيش في السكون
"الضجيج يُحدث الموت".. هذه هي قصة الفيلم التي انطلقت في وقت تتعرض الأرض فيه لهجوم وحوش عمياء تفترس البشر عن طريق تتبع أصواتهم، وتبدأ القصة في نيويورك بعد 78 يوما على حدوث دمار شامل، فتصبح المدينة بأكملها مدينة أشباح، إلا أن بعض القاطنين ما زالوا في منازلهم يعيشون في صمت ذاتي خشية اجتذاب انتباه الوحوش المصابة بالعمى الكامل التي تجتذبها الأصوات مهما كانت خافتة، وفي ظل هذا الصمت والسكون تعيش عائلة مؤلفة من أربعة أفراد، الأب والأم وطفلين، يتواصلون بلغة الإشارة أو الهمس أحيانا حتى لا تسمعهم الوحوش وتفترسهم.

لغة الإشارة
لم تواجه العائلة أي صعوبات في التواصل بلغة الإشارة، فابنتهم ريجان المصابة بالصم، تلعب دورها الممثلة الصماء في الأصل ميليسينت سيموند، جعلتهم أكثر تكيفاً مع الحالة، فهم معتادون على التواصل بلغة الإشارة، لكن ما حصل في بداية الفيلم دمرهم قليلاً، فالابن الأصغر يعثر على لعبة تصدر صوتاً، وبينما كان يلهو بها، جاء وحش إلى مصدر الصوت وقضى عليه أمام أعين عائلته الذين التزموا الصمت خوفا من سماع صوتهم والقضاء عليهم أيضا، يمرّ عام كامل والعائلة لم تتعافَ من هجمة الوحش، ويزداد الأمر سوءا لأن الأم حامل وتتحضر لموعد ولادتها، في هذه الأوقات يقرأ الأب الصحف، ويبحث عن سبيل للقضاء على تلك الوحوش العمياء.

تلعثم الصغر
ولقد أتقنت الأم دورها إلى أبعد حدود، ومن المتعارف عليه أن الممثلة ايميلي بلانت، الحاصلة على جائزة جولدن جلوب من أجمل ممثلات هوليود عانت كثيراً قبل إتمامها 12 عاماً مع مشكلة التلعثم في الكلام، واقترحت عليها معلمتها أن تُمثل في مسرحية المدرسة، التي عملت خلالها على التحدث بلهجات مختلفة ما حل مشكلتها الكبيرة مع التلعثم، وبعد شهرتها قامت بعديد من المبادرات الخيرية لمساعدة الآخرين الذين يعانون بعض العوائق في الكلام، ولعل هذا الأمر دفع بها إلى التألق في دور أم تتحدث لغة الإشارة خوفا من الوحوش، ليس هذا فحسب بل زاد من تألقها وبراعتها مشهد ولادتها حيث كانت بمفردها عندما بدأ المخاض العسير، جلست في حوض الاستحمام تتحمل أوجاعها بصمت، لا تستطيع أن تصرخ ولا أن تنهض، وزوجها في هذه الأثناء كان يحضر لإلهاء الوحوش أثناء إبصار الطفل النور، فلقد كانت أفكار ذكية وناجحة قام بها المخرج، لكن ما تألمته وعانته الأم فطر قلب المشاهد ونجحت في النهاية في أن تلد نفسها بنفسها وتخبئ الطفل في صندوق صنع خصيصا له لا يصدر أصواتا، وتم إنعاشه بالهواء الاصطناعي لأنه يعجز عن التنفس في الصندوق.

الرعب المفاجئ
أما مخرج الفيلم جون كراسنكسي، المرشح لجائزة برايم تايم لثلاث مرات، الذي يقوم بدور الأب في الفيلم وزوج إيميلي بلانت في الحقيقة وفي الفيلم أيضا، أدى دوراً متقناً خاصة في نقل المشهد إلى عقل المتفرج من دون أي عبارات تذكر، فعندما كان يظهر المنبه فبطبيعة الحال الصوت سيصدر وستأتي الوحوش، فانتهج التسلسل الصوري ونجح في إيصاله إلى عقل المشاهد بسهولة، حيث اعتمد على لحظات الرعب المفاجئة فيما يخص أكثر لحظاته الصادمة، ونجح المخرج الذي أسهم أيضاً في كتابة السيناريو إلى جانب براين وودس وسكوت بيك، بإضفاء شعور من التوتر الشديد الذي يحيط بكل مشهد، ويساعده على ذلك التصميم الصوتي المبتكر والرائع. كما نجح في إنشاء رابطة عاطفية بين المشاهد والشخصيات حتى من دون معرفة أسمائها، وذلك لأنه يأخذ الوقت الكافي للسماح للجمهور بالتعرف على منظور كل شخصية في الفيلم.

الصمت لغة الحوار
إن فكرة إدخال فتاة صماء في الفيلم كانت تحديا كبيرا للمخرج، فالفكرة لم تقتصر فقط على الصمت كلغة للحوار، بل أيضا عمد إلى إضفاء تعبيرات حقيقية لفتاة تعاني الصمم أساسا، لذلك جاء دورها رائعا، فعندما كانت تنظر، يبدأ مع حركتهما لغة العيون، وعندما تبكي، تكون دموعها كافية لوضع المشاهد في حزن عميق، وفي وقت كان قد شن فيه الوحوش هجومهم الشرس على والدها، حضنت أخاها وحمته منها، ولقد كانت فكرة القوة التي يتمتع بها ذوو الاحتياجات الخاصة ظاهرة في هذا الفيلم، ورغم تطرق كثير من الأفلام إلى هذه النقطة لكنها المرة الأولى التي يتم فيها التمثيل من خلال شخصيات لديها حقيقة حاجة خاصة.
المؤثرات والموسيقى
جاءت لقطات الفيلم وتصويره إبداعية رغم بساطتها وعدم إدخال كثير من المؤثرات البصرية، ففي وقت يعتمد فيه الفن السابع على المؤثرات والجرافيكس لإضفاء ضخامة على الفيلم، جاء فيلم "المكان الهادئ" بمشاهده الصامتة والمتقنة والجميلة والمصورة بطريقة تقليدية مبتكرة، وإن احتوى في النهاية على بعض المؤثرات البصرية الرائعة، ولا سيما حين ظهر الوحش لآخر مرة وهو يموت جراء سماع صوت أنين سماعة الأذن التابعة لـ "ريجان"، التي اكتشفوا في النهاية أنها نقطة ضعفهم وهي السلاح الوحيد لمواجهتهم، أما الموسيقى التصويرية فلقد جاءت متوافقة مع المغزى المرعب للفيلم، فكانت تعلو في أماكن يشهق لها المشاهد وتظهر خفيفة درامية في مشاهد أخرى تدل على الترابط العائلي.
حقق فيلم A Quiet Place إيرادات بلغت 45 مليون دولار منذ طرحه الأسبوع الماضى في دور السينما، ووصلت ميزانية الفيلم إلى 15 مليون دولار فقط، وفي رأي بعض النقاد، من المرجح أن يتربع هذا الفيلم على قائمة أجمل أفلام الرعب لعام 2018، مع الإشارة الى أنه ليس الفيلم الصامت الأول في زمننا الحديث، فقد صدر عام 2014 فيلم it follows وفي عام 2013 صدر فيلم coherence، ولا بد من الإشارة إلى فيلم The Artist الذي كان صامتاً تقليدياً يحمل كل سمات أفلام العشرينات صنع في الزمن الحديث. وكذلك فيلم All is Lost كان قليل الحوارات وليس صامتاً بشكل كامل.
ويبقى أنه بأسلوبه المتين يعتبر الفيلم الصامت تحديا كبيرا، لذلك جاء "المكان الهادئ" ليؤكد أن الصورة تعبر كالصوت وتدفع المشاهد إلى الانغماس في حبكة صامتة لكنها متينة. فهل ممكن أن تنجح محاولات إحيائها اليوم ونحن نعيش في خضم زمن سينمائي عماده الحوارات المسموعة والسيناريوهات المحبوكة، والكاميرا المتكلمة بحركتها ودقتها؟ وهل سيكون هذا الفيلم مدخلا لزمن سينما الرعب الصامتة والحديثة؟ وهل سيشكل باكورة لأفلام شبيهة قد تشهدها الأيام المقبلة وتكون محور تنافس بين شركات الإنتاج السينمائي؟ أسئلة مشروعة تبقى برسم الأيام المقبلة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون