بعد مضي يوم أو يومين على إعلان دونالد ترمب فرض رسوم جمركية على مجموعة من السلع الصينية، انتابت العالم مخاوف من نشوب حرب تجارية. وبعد أكثر من أسبوع كان هناك سرد قصصي آخذ في التشكل مفاده أنه ربما كانت فكرة الرئيس الأمريكي صحيحة. تجري الصين مفاوضات الآن مع الولايات المتحدة، وربما تبرم الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية اتفاقا تجاريا جديدا. لكن في حين أن الإدارة على حق في أن تتحدى الصين بشأن الممارسات التجارية غير العادلة، إلا أن هناك أيضا مخاطر من أن تفهم الرسالة على نحو غير سليم، بما يفيد بأن فرض الرسوم الجمركية هو أفضل سبيل لحماية حزام الصدأ الأمريكي (الولايات التي شهدت تراجع النشاط الصناعي فيها).
ربما كانت الصين لا تلعب بصورة عادلة، لكنها تسير بحسب استراتيجية طويلة الأمد. وهذه هي النقطة الحاسمة. في الوقت الذي يهاجم فيه الرئيس ترمب بشكل رئيسي العجز التجاري، لدى الصين سياسة صناعية مصممة بهدف تحقيق الفوز بوظائف المستقبل في الصناعات الاستراتيجية ذات التكنولوجيا العالية. هذه استراتيجية أفضل من استراتيجية ترمب، كما يتبين لنا ليس فقط مما يحصل الآن في الصين، وإنما أيضا في الولايات المتحدة.
لنأخذ في الحسبان النجاح الذي حققته مدينة كولومبوس في أوهايو، وهي مدينة كنت أتابع حظوظها شخصيا وعن كثب منذ سنوات لأنها مؤشر قوي للاقتصاد والسياسة بالنسبة لأمريكا. يأتي السياسيون إلى هنا لقياس درجة الحرارة الانتخابية قبل الانتخابات على مستوى أمريكا، والشركات تأتي لكي تختبر منتجات جديدة. تقع كولومبوس في قلب منطقة حزام الصدأ التي ساعدت في انتخاب الرئيس. زار ترمب أوهايو في الأيام الأخيرة، مقدما حوافز فيدرالية متواضعة بهدف إيجاد طفرة في مجال الإنفاق على البنية التحتية المحلية (وهو أمر غير مرجح، نظرا للصورة الكئيبة للمالية العامة في كثير من الولايات والمدن الأمريكية).
كولومبوس هي ثالث أكبر سوق وطنية للعمالة في مجال تصنيع السيارات. مع ذلك لا يكترث كبار المدينة بما يفعله الرئيس، أو ما لا يفعله بشأن الرسوم الجمركية.
يقول كيني ماكدونالدز، رئيس "كولومبوس 2020"، وهي استراتيجية التطوير الاقتصادية الإقليمية: "ستفوز بعض الصناعات وستخسر أخرى. لكن هناك الكثير من الناس في جيه بي مورجان وهوندا وفي كل أنحاء البلد (وهم جميعا من أرباب العمل المحليين الكبار) ممن يعملون الآن على خوارزميات ربما تحل مكان وظائفهم".
هذا البيان دلالة على حقائق مهمة. خلال فترة العقود الأربعة الماضية، عملت التكنولوجيا على إيجاد مقدار من تعطيل الوظائف في حزام الصدأ بقدر ما عملت التجارة، إن لم يكن أكثر. بعد الأزمة المالية العالمية كانت كولومبوس واحدة من أكثر المدن الأمريكية التي تعرضت للمعاناة. ومع أنها لم تتعرض للانهيار بقدر انهيار بقية الولاية بفضل الاقتصاد المتنوع (كولومبوس هي عاصمة الولاية ولديها أيضا قطاع تعليم قوي)، إلا أنها واجهت تراجعا مقداره 100 مليون دولار في إنفاق البلديات - أكثر من 15 في المائة من إجمالي ميزانيتها التشغيلية - في عام 2009.
أجرت المدينة العمليات المعتادة الخاصة بتقليص النفقات في الخدمات العامة. لكن بدلا من أن تصبح مثل ديترويت، التي من الناحية الحرفية مرت عليها فترة من الزمن لم يكن فيها كهرباء أو ماء، كولومبوس أيضا فعلت شيئا آخر: وهو أنها فكرت في المستقبل.
ذهب العمدة الديمقراطي إلى كبار المدينة من الجمهوريين وأقنعهم بدعم زيادة في الضرائب، وهي الزيادة الأولى منذ نحو أربعة عقود. وافقوا على ذلك، شريطة أن يذهب جزء من ذلك المال إلى شراكة التنمية الاقتصادية بين القطاعين العام والخاص التي تركز على كيفية تعزيز رأس المال البشري وإعداده لحقبة زمنية تتجمع فيها كل القيمة في الملكية الفكرية والبيانات والأفكار.
ربطوا الكليات المتوسطة بالشركات المحلية والداخلية والعالمية ("إل براندز"، "جيه بي مورجان"، "هوندا"، و"يرثينجتون إندستريز") لتدريب قوة عاملة فنية ماهرة رقميا. وعملوا على تجديد وسط المدينة المتداعي وأنشأوا مجموعات من المساكن الجديدة لاجتذاب أبناء جيل الألفية الذين كانوا يغادرون المكان بحثا عن حياة أفضل بعد انتهاء دراستهم.
كولومبوس الآن واحدة من أعلى عشر مناطق يتوافد إليها العمال الشباب (تحتل تصنيف المرتبة الثالثة بين المدن المفضلة بالنسبة لمصممي الأزياء، بعد لوس أنجلوس ونيويورك). في سعيها للتحول من منطقة لصناعة قطع السيارات إلى أن تصبح جزءا من إنترنت الأشياء، تقدمت كولومبوس ـ وفازت ـ بطلب للحصول على منحة قيمتها 40 مليون دولار من وزارة النقل، لتصبح "مدينة ذكية" تركز على المركبات الكهربائية. وأعقب ذلك ما يقارب 500 مليون دولار من الاستثمارات الإضافية.
يقول أليكس فيشر، رئيس مجموعة الرؤساء التنفيذيين في شراكة كولومبوس: "هذه ليست خطة خمسية في مجال التنمية الاقتصادية، إنها خطة المائة عام".
كولومبوس هي جزء من خطة إيلون ماسك "الرابطة الكبرى"، التي تهدف لإنشاء قطار يربط شيكاغو، وكولومبوس، وبيتسبيرج، خلال دقائق. بدأت جامعة أوهايو ستيت وكلية كولومبوس ستيت المتوسطة بجزء من برامج الشهادة الجامعية الأولى (البكالوريوس) في تحليل البيانات. وانتقلت شركات تسلا و"إيه دبليو إس" وأبل إلى المدينة. ولدى شركة أكسنتشر الآن مختبر للابتكار في موقع كان في السابق مقر شركة لتصنيع العربات التي تجرها الخيول.
من الصعب أن نتصور رمزا أروع دلالة على التغير. أنشأت منطقة كولومبوس، منذ عام 2010، تقريبا نصف جميع الوظائف الجديدة في أوهايو. وفي الفترة الأخيرة نشرت مجلة "هارفارد بزينس ريفيو" دراسة حالة عن إنجازات المدينة.
نجاح المدينة هو مثال رائع على ما يمكن للسياسة الصناعية الأمريكية تحقيقه. كثير من البلدان – وليس فقط الصين، وإنما كذلك عدد من البلدان الأوروبية – تعتمد خططا على مدى عدة سنوات للتنمية الاقتصادية. الولايات المتحدة لا تفعل ذلك بطبيعة الحال. السياسة الصناعية هي دائما سيئة السمعة في أمريكا.
ترمب، وغيره كثير، يهاجم رأسمالية الدولة التي تديرها الصين. لكن من خلال تشويه سمعة الأجنبي، بدلا من وضع استراتيجية وطنية حقيقية للتنمية الاقتصادية في البلد، فإن الولايات المتحدة لا تفهم الأمر على الوجه الصحيح. كولومبوس، من جانب معين، تبين لنا كيف نحقق التنمية الاقتصادية الصينية بسمات أمريكية. هذه استراتيجية جديرة بأن تُنسخ.


