أسفل أحد شوارع برلين، خلف سلسلة من الأبواب الفولاذية السميكة، تقع صالة تخزين بحجم ملعب لكرة السلة.
الواقع أن هذا الموضع هو المتحف التاريخي الألماني، الذي يزخر بمجموعة مختارة مذهلة من الكنوز، تماثيل ومنحوتات تعود إلى الحقبة السوفييتية، وعربة حديدية سوداء من عشرينيات القرن الماضي، وصندوق خشبي نقشت عليه العبارة المغرية "قبعة نابليون".
كل شيء هنا يمكن أن يحكي قصة رائعة، لكن ما جئتُ لأراه هو أمر أرجو أن يخبرني شيئا عن هوسٍ موجودٍ لدى الألمان.
يأخذني روبرت موشالا، أمين المتحف، إلى رف معدني في الجزء الخلفي من الغرفة مليء بالحصالات وصناديق النقود. أقدمها يبلغ من العمر 400 عام، لكن معظمها يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن الـ20.
وفي الوقت الذي يرفع فيه موشالا، وهو مؤرخ اقتصادي يبلغ من العمر 43 عاماً، هذه الأشياء بأيد مغلفة بقفازات بيضاء، ألاحظ كم واحدة منها مزينة بصور خلية نحل، ذلك الرمز القديم للنظام والحصافة.
هناك شيء آخر يلفت انتباهي، معظم هذه الأشياء اليومية منقوشة بالقوافي والحكم التي تشير إلى هدف أبعد بكثير من المجموعة المتواضعة من العملات المعدنية وأوراق العملة. نقش على أحدها بالألمانية "مصير الأمة يقع على عاتق قوتنا نحن فحسب". ونقش على آخر "ساهم في الإضافة إلى ثروات الشعب الألماني".
جئت إلى المتحف للإجابة على سؤال كان يلح علي، وعلى كثير من العالم، منذ سنوات كثيرة، ما السبب في الأهمية البالغة للادخار لدى الألمان؟ إنه سؤال يثير أعصاب صناع السياسة في واشنطن ويسبب الألم الكبير للمتقاعدين في أثينا.
خلال سنوات أزمة منطقة اليورو، أصبحتَ تسمع الشكاوى من التقشف الألماني والفائض الألماني في كل مكان. اضطرت الحكومات في جميع أنحاء جنوب أوروبا إلى فرض تخفيضات صارمة على الموازنة في محاولة محمومة لضبط حالات عجزها المنفلت من عقاله، وتجنب الذئاب في سوق السندات العالمية.
كانت الصورة الاقتصادية مريعة بقدر ما كانت معقدة، ولكن في الشارع كانت أصابع الاتهام غالباً ما تشير إلى الشمال: إلى أولئك الألمان البخيلين وهَوَسهم القاسي بالانضباط بالمالية العامة والتقشف في الميزانية.
معظم الألمان سيرفضون هذا الاتهام، لكن الفكرة القائلة إن التقشف - سواء في القطاع الخاص أو في الحكومة - هو شيء ألماني على وجه التحديد يتم تشاركها كذلك في ألمانيا نطاق واسع.
إنه بلد يفخر بمتانة موارده المالية العامة، في الموازنات المتوازنة ومعدلات الادخار المرتفعة، وفي الحقيقة أن المجتمع ككل يعرف كيف يؤخر الإشباع، ويشد حزامه وينتظر مأزق اليوم التالي.
في أكثر الأحيان، تُكتسَب هذه العادة في الصغر. كوني نشأت في ألمانيا، وفتحت أول حساب ادخار عندما كنت في الثامنة من عمري، لا أزال أتذكر الكتيب الأزرق الصغير ذي الصفحات المطوية الزوايا، وأنا أتتبع ثرواتي المتواضعة.
وأتذكر أيضا الأمثال والقوافي التي لا حصر لها، التي تحثني على: "احترام القرش" و"التوفير في الوقت المناسب".
التقشف جزء لا يتجزأ من صورة الألمان عن أنفسهم – وهي سمة يشعرون أنها تميزهم عن الأمم الأخرى. هناك أيضاً قناعة راسخة بأن توفير المال وتجنب الديون ليس مجرد نهج حصيف لإدارة دخلك، بل هو علامة على شيء أعمق. يقول كاي أووي بيتر، العضو المنتدب لبنك الادخار في برلين، وهو بنك ادخار يعتز بأن لديه نحو مليوني عميل في العاصمة "يُنظر إلى التوفير على أنه الشيء الصحيح الذي يجب القيام به أخلاقيا. إنه أكثر من مجرد استراتيجية مالية بسيطة".
الطريقة التي أصبح بها الأمر على هذا النحو هي موضوع معرض جديد في المتحف التاريخي الألماني الذي سيفتح في نهاية هذا الأسبوع (سيشتمل على القطع التي أنظر إليها في غرفة التخزين).
الادخار.. فضيلة ألمانية
عنوان المعرض "الادخار - تاريخ فضيلة ألمانية"، ويجمع ثروة من المواد، واللوحات، والملصقات والوثائق التي تتّبع تاريخ الادخار في ألمانيا من عصر التنوير المتأخر إلى أزمة منطقة اليورو.
يقول موشالا "نريد أن ندرس كيف أن الادخار كان يُرى - فوق كل شيء في ألمانيا نفسها – على أنه شيء ألماني بشكل خاص".
تدخر الأسر الألمانية نحو 10 في المائة من دخلها القابل للتصرف، وهو ضعف ما يدخره الفرد العادي في الأوروبي أو الولايات المتحدة.
(في المملكة المتحدة، كان معدل الادخار سلبيا في الواقع في عام 2016). والأكثر من ذلك، أن معدل الادخار الألماني ثابت بشكل عجيب على مدى الزمن، ولم يتأثر بالأزمات الاقتصادية وتغيرات أسعار الفائدة.
في المقابل، ملكية المنازل منخفضة بالمعايير الدولية. وهذا يساعد ذلك على تفسير السبب في أنه يغلب على الألمان النظر إلى الأحداث الاقتصادية حصراً من منظور المدخر، عندما يبقي البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة منخفضة، تطلق الصحافة الشعبية صيحاتها بأن المدخرين الألمان يتعرضون للسرقة.
الأمر الذي تعنيه معدلات الفائدة المنخفضة بالنسبة لمشتري المنازل، والمقترضين، والمستثمرين، والشركات، والاقتصاد الأوسع يبدو وكأنه ثانوي.
وفقا لهارولد جيمس، المؤرخ الاقتصادي والأستاذ في جامعة برنستون، الالتزام الألماني بالادخار هو علامة على تيارات سكانية وتاريخية وحتى نفسية "الألمان هم أكثر قلقا بكثير من الأمريكيين، على سبيل المثال، هم يعتقدون أنهم بحاجة إلى الاستعداد لكل الاحتمالات، وأن الأشياء السيئة يمكن أن تصيبهم، وأنهم بحاجة إلى الاستعداد لذلك". جيمس مقتنع أيضا أن الدين يلعب دورا "هناك تقليد بروتستانتي قائم على الادخار وضبط النفس. السلوك الفاضل يعني التخلي عن إشباع الحاجات الحالية".
معرض برلين يقيم الحجة التي تفيد أن التزام الألمان بالتوفير هو حتى أعمق من الأخلاق الخاصة. الادخار هو أبعد ما يكون عن كونه سعيا فرديا خالصا، وينظر إليه على أنه نشاط يخدم غرضًا جماعيًا - وبالتأكيد وطني. هذه علاقة أعطيت شكلا صريحا على ظهر صندوق النقود في قبو برلين، مصير الأمة لا يكمن إلا في قوتنا - قوتنا ورغبتنا في الاستمرار في إسقاط العملات المعدنية في الحصالات المعدنية.
تم تأسيس أول مصرف ادخار في العالم في هامبورج في عام 1778. وحيث إنه مستوحى من أفكار التنوير للتقدم الاجتماعي، فقد كان ينظر إلى المؤسسة في البداية على أنها أداة للتخفيف من محنة الفقراء في المناطق الحضرية.
من خلال ادخار أجزاء صغيرة من أرباحهم البسيطة، قد يكونون في يوم من الأيام في وضع يمكنهم من دفع تكاليف تعليم أبنائهم، وتخفيف الضربة المالية التي تأتي مع الشيخوخة والمرض، لكن هذا الحافز استُبدِل خلال فترة قصيرة بشيء مختلف تمامًا.
يشرح الوضع موشالا قائلا "في النصف الثاني من القرن الـ19، أصبح الادخار مرتبطًا بشكل متزايد بالفكرة القومية. وفي تلك المرحلة ترى صعود حركة التوفير التي تدعو المدارس إلى تدريس الادخار للأطفال، التي تقدم مصارف الادخار المدرسية الخاصة. وهذه أيضا هي المرحلة التي ترى عندها انفجارا في حسابات التوفير في جميع أنحاء ألمانيا. في هذه المرحلة، لم يعد الادخار أداة لمحاربة الفقر. بدأ الناس ينظرون إلى الادخار على أنه خدمة للأمة".
أرقام ادخار مذهلة
في عام 1850، كان هناك 278 ألف حساب ادخار في مملكة بروسيا بأكملها. بحلول عام 1875، ارتفع عددها إلى 2.21 مليون. بعد 25 سنة أخرى، تباهت بروسيا بأكثر من 8.67 مليون حساب ادخار.
كان ربع السكان على الأقل مدخرين رسميًا. الزيادة كانت إلى حد ما علامة على الرخاء المتزايد للبلاد، لكنها كانت أيضا نتاج استراتيجية متعمدة لتجنب الصراع الاجتماعي، وصد الطريق في وجه قوى الاشتراكية. كانت وديعة الادخار بمنزلة "سد يقف في وجه الإغراءات الشيوعية والفكر الثوري، والتي يمكن أن تنشأ لدى الناس الذين ليس لديهم ما يخسرونه"، وذلك وفقا لوصف يستشهد به المعرض ويعود إلى عام 1865.
تزامنت هذه الطفرة بالطبع مع المراحل النهائية في كفاح ألمانيا الطويل من أجل التغلب على الانقسامات السياسية لديها، التي بلغت ذروتها في توحيد عام 1871 بقيادة بروسيا. أصبحت ألمانيا دولة المدخرين، في الوقت نفسه الذي أصبحت فيه أمة. علاوة على ذلك، كان هذان التطوران مرتبطين بشكل ملموس للغاية، مصارف الادخار الجديدة، أو مصارف الادخار المحلية، شفطت المدخرات الخاصة، وجعلتها متاحة للبلديات لتمويل القنوات والطرق، وأعمال الكهرباء والغاز، وكذلك المدارس، والمسارح والحدائق العامة. وبنيت ألمانيا الجديدة، على الأقل جزئيا، على خلفية الودائع المتراكمة في شبكة سريعة الانتشار من فروع مصارف الادخار المحلية، في جميع أنحاء البلاد.
أصبح مفهوم أن المدخرات الشخصية هي "خدمة للأمة" أكثر وضوحا خلال الحرب العالمية الأولى، عندما تم تشجيع الألمان من خلال عملية دعاية ضخمة على استثمار مدخراتهم في سندات الحرب.
عرض ملصق من عام 1917 الأوراق النقدية متعددة الألوان على خوذة الصلب للجندي. يقرأ الشعار ببساطة، "أفضل بنك ادخار: سندات الحرب!"
تبع الألمان هذا النداء بملايينهم، لكن ما كان منهم سوى أن شاهدوا أموالهم وهي تتآكل، وفي النهاية انمحقت تماما، بفعل التضخم السريع. وصلت هذه العملية إلى أوجها أثناء فترة التضخم الجامح سيئة السمعة لعام 1923، وهو أقصى مصيبة يمكن أن يتعرض لها المدخر الألماني، والتي يبدو أنها تطارد الأمة حتى بعد مرور قرن من الزمان.
يقول رافائيل جروس، رئيس المتحف الألماني التاريخي "هناك ذكرى أسطورية لجمهورية فايمار ترى أنها لحظة في التاريخ الألماني حيث - بسبب التضخم الجامح - دخل المدخر الألماني والمجتمع الألماني في أزمة.
هذه صورة لا تزال حية على الرغم من أنها، على أقل تقدير، مثيرة للجدل". ويقول إن الحدث الاقتصادي الذي ساعد في إغراق فايمار كان كساد عام 1929، وليس التضخم الجامح في عام 1923.
تقع مدينة كاسل الألمانية على بعد رحلة بالقطار تستغرق ثلاث ساعات إلى الغرب من برلين، في ولاية هيسن الفيدرالية المزدهرة. وهي مشهورة بأنها المكان الذي أقيم فيه مهرجان دوكيومنتا، وهو مهرجان استفزازي للفنون المعاصرة يقام كل خمس سنوات. الرجل الذي جئت لرؤيته يجسد تقليدًا محليًا أكثر رصانة: هانز آيشيل، البالغ من العمر 76 عامًا، هو النموذج الأول لوزير المالية الألماني – بمعنى أنه مقتصد ومنضبط وشديد التمسك بمبادئه.
ويقول لي إن وظيفة وزير المالية في ألمانيا تقتضي استخدام قاموس يتألف من كلمة واحد فقط "أنت فحسب من يتوجب عليه أن يقول لا في الأساس". هذا السياسي المخضرم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي تولى منصبه من عام 1999 إلى عام 2005، ولا يزال الناس يتذكرونه تماما بسبب لقبه: سباركوميسار، أي مفوض الادخار.
اكتسب اللقب بعد فترة وجيزة من توليه منصبه، حيث قرر – حين واجه عجزًا كبيرًا في الميزانية - خفض الإنفاق بنحو 15 مليار يورو بضربة واحدة. وعند احتساء القهوة في شقته المضيئة المطلة على أحد مساكن كبار السن، أخبرني آيشيل أنه خفض بنسبة 7.5 في المائة كل مركز يمكن التصرف به في الميزانية.
وأشادت صحيفة بيلد الشعبية بمآثره بالعنوان المثير للإعجاب: "Er rasiert uns alle!" - إنه يكشط المال منا جميعًا!
الشيء المفاجئ لم يكن أنه عمل على تنفيذ حزمة تقشف ضخمة، بل أن الناخبين أحبوه من أجل ذلك. كما يتذكر آيشيل بابتسامة: "كانت هناك بعض الشكاوى والمظاهرات، لكن الخطة أعجبت الناس كثيرا، إلى درجة أني كنتُ أُدعى في كل مكان للتحدث في المسيرات الانتخابية في الحملة الانتخابية التالية. كنتُ أذهب وأشرح السياسة المالية للناس. لقد كان أمرا سهلا".
هذا الفصل أنشأ قالبا لأصحاب المنصب المستقبليين، وزراء المالية الألمان يكسبون إعجاب ودعم الناخبين ليس من خلال الوعد بالتخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق، ولكن من خلال إثبات التزامهم بالانضباط المالي.
(الكأس المقدسة لوزراء المالية الألمان هي Schwarze Null"" – التي تعني حرفيا "الصفر الأسود" - بمعنى موازنة متوازنة أو فائض صغير. فولفجانج شويبلِه، الرجل الذي حقق أول "صفر أسود" منذ عقود، كان مكروها في كثير من أوروبا الجنوبية. أما في ألمانيا، حين غادر منصبه العام الماضي كان العضو الأكثر شعبية في الحكومة).
قرر آيشيل تحقيق أقصى استفادة من شهرته. عندما اقترب منه ناخب معجب بحصالة كهدية، عرضها الوزير على مكتبه. هذا، أيضا، لقي الاستحسان من الألمان، الذين بدأوا يرسلون إليه حصالات أصيلة من جميع أنحاء البلاد. حتى إنه تلقى حصالة حمراء زاهية من وفد صيني زائر.
حين ينظر آيشيل إلى الوراء، يتساءل عما إذا كان مبالغا في عمل ذلك. وهو ينتقد موقف ألمانيا خلال أزمة منطقة اليورو، ويدافع عن السياسات التي كان رائدها ماريو دراجي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، ويعتقد أن خلفاءه في وزارة المالية لم ينفذوا عددا كافيا من الاستثمارات. قال لي "لا جدوى من وجود دولة خالية من الديون. إذا قمتَ بادخار المال عن طريق تجنب الاستثمارات الضرورية، على سبيل المثال في التعليم، فأنت أيضا تُخلِّف الديون لجيل المستقبل".
إذا كان آيشِيل يجسد النهج المتدبر للتقشف التيوتوني، فإن المعرض في برلين لديه عدد كبير من البنود التي توضح التجاوزات الكالحة لثقافة المدخرات الألمانية.
الادخار بديل سوق الأسهم
أحدها هو نشرة صغيرة لحملة سياسية تعود إلى عام 1930 وتشجب "سرقة المدخر الألماني". وهي تهاجم السياسات الاقتصادية والمالية لجمهورية فايمار، وتسارع إلى توجيه إصبع اللوم إلى: "اليهودي، والمضارب، والمصارف، ورأس المال المالي" الذين "انتصروا على العامل الألماني". يعرَض الحل على الصفحة المقابلة: "هذا هو السبب في أنه يجب عليكم أن تأتوا إلى أدولف هتلر. صوتوا للقائمة التاسعة".
بعد ذلك بثلاث سنوات، وصل هتلر والنازيون إلى السلطة، واختبروا فكرة أن الادخار هو خدمة للأمة إلى أقصى حدود الفكرة، بل وتجاوزوها. بالنسبة للنازيين، كان الادخار هو الطريقة الألمانية الأصيلة للتعامل مع المال.
يقول جروس "كان يُنظَر إلى المدخر على أنه جاد في عمله وصاحب أخلاق عالية، وكشخص يسير على الطريق المستقيم. في النهاية المقابلة للطيف، تجد الشخص الذي ينشَط في سوق الأسهم، المضارب، والمقامر".
قبل أن يأتي هتلر، كان يُنظَر إلى الادخار على أنه حصن ضد الثورة، وطريقة لتمويل صعود ألمانيا في مجال الصناعة، إلا أن النظرة انحرفت الآن لخدمة أيديولوجية النظام المعادية للسامية، وتحول الادخار إلى أداة لإعداد البلد للحرب. وكما هو موضح في المعرض، انتشرت بشكل واسع مصارف الادخار الخاصة في المدارس، التي ظهرت للمرة الأولى في أواخر القرن الـ19. بحلول عام 1938، أكثر من ثلث جميع طلاب المدارس كانوا يدخرون المال من خلال المؤسسات المذكورة، بما يعادل 3.5 مليون حساب فردي. وتم تشجيع الطلاب من خلال حملات دعائية مكثفة، بما في ذلك النداء المباشر بلا مواربة "مدخراتكم تساعد الفوهرر!".
في غرفة التخزين في الطابق السفلي، يريني موشالا صندوق ادخار يعود إلى العهد النازي، وهو صادر عن بنك برلين للادخار. وهو يلخص "مثلث" القيم التي يتبناها النظام. هناك ثلاث صور: في إحداها نرى العمال وهم يطرقون المعادن وتظهر في الخلفية مداخن عالية. ونرى في صورة أخرى جنديا من القوات المسلحة الألمانية يقف للحراسة أمام بوابة براندبيرج. ونرى في الثالثة عائلة تضع قطع العملة في صندوق ادخار. وكل صورة مرسومة فوق كلمة واحدة: العمل. النظام. الادخار.
على الرغم من العدد غير المسبوق من الوفيات والدمار الذي كان يحيط بهم، استمر الألمان في الادخار حتى النهاية المُرة. بحلول أيلول (سبتمبر) 1944، وهو آخر تاريخ تتوفر بشأن الإحصائيات، كانت مدخرات الألمان 97 مليار مارك الرايخ، أي بزيادة 68 مليار مارك عن الرقم في بداية الحرب، وأكبر بسبع مرات مما كان عليه حين جاء هتلر إلى السلطة.
مع ذلك، تماما كما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى، انمحقت المدخرات المذكورة أو كادت بفعل التضخم، الذي أعقبه إصلاح العملة وإدخال المارك الألماني. وكما كانت الحال في السابق، فإن التجربة لم تثبط عزيمة الألمان عن الادخار مرة أخرى، بل على العكس: بين عام 1950 والعام 1960 ارتفعت المدخرات عشر مرات. هذا يبدو وكأنه أمر متناقض.
بالنسبة إلى موشالا، حقيقة أن الألمان فقدوا مدخراتهم مرتين، وعادوا للادخار مباشرة بعد ذلك، تنطوي على رسالة مهمة: "هذا يبين أن الادخار لم يكن قط مجرد استراتيجية اقتصادية، بل هو أمر تعوّد عليه الناس".
هذه الفكرة لا تزال صحيحة في الوقت الحاضر. يستمر الألمان في الادخار، ويستمرون في الانزعاج والشكوى من أن مدخراتهم يمكن أن تتعرض للأذى – بسبب التضخم، وبسبب أسعار الفائدة المتدنية، وبسبب الألاعيب المشبوهة من قبل المسؤولين في البنوك المركزية، ومن قبل ساسة أوروبا. وهم يستمرون في النظر إلى سوق الأسهم بازدراء، ولا يزالون يثقون بمصارف الادخار التقليدية المعروفة. تستمر مصارف الادخار الألمانية في السيطرة على 37 في المائة من جميع الودائع.
لم يعد الأطفال الألمان يخضعون للدعاية المكشوفة من النوع الذي كان السمة المميزة للفترات السابقة، لكن حين عاد طفلي البالغ من العمر ست سنوات من أول يوم دراسي له في مدرسة ابتدائية في برلين، كان يمسك بملف أحمر لامع من مصرف الادخار المحلي، مليء بأوراق لعب تشبه الأوراق النقدية تماما. مصارف الادخار الألمانية ملزمة بحكم القانون بتشجيع الادخار والترويج له، وهي لا تضيع وقتا في القيام بذلك، وبمساندة من سلطات المدارس المحلية.
ليس من نافلة القول بيان استفادة السياسة الألمانية في الوقت الحاضر من هذا الأمر. كان لدى المسؤولين في برلين مئات الأسباب للدفاع عن موقفهم خلال أزمة اليورو، وستكون لديهم مئات أخرى من الأسباب في مواقف الجدل التي ستأتي، بما في ذلك الدعوة المثيرة للجدل لإنشاء تأمين على ودائع الادخار لعموم أوروبا.
وسيتحدثون عن الخطر الأخلاقي، وعن الراكبين بالمجان على حساب الآخرين، وعن نسب القروض السيئة، وعن الحاجة إلى زيادة القدرة التنافسية. حين تمر بإصبعك على القائمة الطويلة من المعروضات في المعرض – حيث تجد جميع المواد الجذابة والنشرات، والحصالات التي يعلوها الصدأ، والملصقات التي أصبحت باهتة بفعل الزمن – تجد من الواضح أن أصول التقشف الألماني تضرب بجذور عميقة بالتأكيد.
إقناع حكومة معينة بتغيير سياستها في المالية العامة أمر صعب بما فيه الكفاية، لكن ما هو أصعب حتى من ذلك هو إقناع أمة بأكملها، بالتخلي عن فكرتها الخاصة عن الفضيلة الكامنة في الادخار.



