المشراق

يوسف ياسين ..الصحافي السياسي والمستشار في زمان المؤسس

أصدرت الباحثة نورة مشعل العسرج أخيرا كتابها "يوسف ياسين ودوره مع الملك عبدالعزيز"، والكتاب يركز على فترة زمنية استمرت 30 عاما منذ انضم يوسف إلى بلاط الملك عبدالعزيز عام 1343هـ حتى وفاة المؤسس عام 1373هـ. وهذه المقالة تعرض بعض ما ورد في الكتاب.

توطئة
شهدت شبه الجزيرة العربية منذ مطلع القرن العشرين ظهور كيانات سياسية لها ثقلها السياسي والعسكري، ومن أهمها عودة ظهور قوة آل سعود مرة أخرى بزعامة الملك عبدالعزيز التي تمكنت من إيجاد الدولة السعودية الحديثة. كانت مسيرة التوحيد على مدى 30 عاما مسيرة حافلة بالأحداث السياسية والعسكرية والإنجازات والتطورات على الصعيدين المحلي والخارجي، وتمكن من تجاوز المعوقات الداخلية والخارجية، وتحقيق وحدة وطنية في جميع أرجاء شبه الجزيرة العربية، بدأت بفتح الرياض عام 1319هـ - 1902 وانتهت بضم الحجاز عام 1344هـ- 1921. وتحددت بذلك ملامح الدولة السعودية الحديثة.

رجالات السياسة
كان الملك عبدالعزيز في أول عهده يدير النظام السياسي الذي أقامه في نجد، ويعالج جميع شؤون البلاد مباشرة، مستعينا في ذلك بمجموعة من رجاله المخلصين من مختلف المناطق والقبائل حسب خبراتهم، ولم تكن طبيعة المرحلة تتطلب أكثر من ذلك. وبعد استقرار الحكم للملك عبدالعزيز شرع في تأسيس الدولة المدنية الحديثة التي ستكون ضمن منظومة الدول العالمية، وكان يعي أن تحقيق ذلك يتطلب الشروع في بناء مؤسساتها وأجهزتها الحكومية لإدارة شؤونها الداخلية والخارجية، ويدرك أيضا أنه سيواجه تحديات كبيرة لتحقيق ذلك، ومن أبرز هذه التحديات قلة الكفاءات ذات الخبرة الإدارية والسياسية من السكان المحليين، فاقتضت الحاجة أن يستعين بعدد من الرجال المميزين من ذوي الخبرة من الأقطار العربية المجاورة والمتقدمة نسبيا، فاستعان بعدد من العناصر والخبرات في مجالات عدة. تمكن الملك عبدالعزيز من استقطاب عدد من القيادات الفكرية والسياسية من مختلف الدول العربية، فاجتمع لديه عدد من السياسيين والمثقفين العرب من سورية ولبنان ومصر والعراق وفلسطين، حيث استطاع بحنكته أن يوظف هؤلاء الرجال، كل في المجال المناسب له.

يوسف ياسين في بلاط المؤسس
ومن هؤلاء الرجال والشخصيات المهمة التي أحاطت بالملك عبدالعزيز، يوسف ياسين "1303هـ/1885،1381هـ/1962" الذي أسهم في السياسة الخارجية والداخلية وتحمل المسؤولية الإدارية وهو لا يزال جديد عهد بالأوضاع العربية ـــ السعودية، فضلا عن مرافقته للملك عبدالعزيز في أولى رحلاته إلى الحجاز. والواقع أن يوسف ياسين قام بأدوار عديدة في المساهمة في بناء الدولة السعودية الحديثة، ولم يقتصر دوره على التنظير والتنظيم وإبداء الرأي فحسب، إنما تجاوزه لتولي مناصب مهمة في الدولة، ومنها ترؤسه صحيفة أم القرى الرسمية أول الصحف السعودية في المملكة، وإدارته للمطبوعات وترؤسه كذلك للشعبة السياسية في الديوان الملكي، وتعيينه مستشارا للملك عبدالعزيز وسكرتيرا، ثم تعيينه في منصب وزير الدولة، وتوليه إدارة وزارة الخارجية بالنيابة في فترات متفرقة. وقد قام خلال عمله بدور دبلوماسي في عديد من القضايا والمشكلات السياسية التي مرت بها المملكة خلال فترة التأسيس.
وعلى الرغم من أن شخصية يوسف ياسين كان لها دور في عهد الملك عبدالعزيز إلا أنها لم تنلْ حقها من الدراسة، ولا تزال شخصيته وأدواره تحتاج إلى دراسة مستقلة تجمع شتات ما تفرق من أخباره في دراسة واحدة، ومن هذا المنطلق جاء الاهتمام بدراسة دور المستشارين العرب في عهد الملك عبدالعزيز من خلال دور يوسف ياسين، خصوصا في ظل شح الدراسات في هذا الموضوع.

نشأته وسيرته
ولد يوسف ياسين في سورية عام 1303هـ ـــ 1885، كان والده فلاحا وعالما شرعيا، اسمه محمد بن يوسف بن ياسين بن مصطفى بن علي أبو العز، وكنيته علي المصري، ما كان له الأثر الأكبر في نشأته الدينية والأهداف التي تبناها خلال حياته. كان لدى الشيخ يوسف زوجتان ها السيدة بشيرة بنت أحمد ستي وكانت تسكن في مكة المكرمة، وهي ابنة لصاحب مكتبة، وقد تزوجها يوسف ياسين وعمره في طور الأربعينيات، ولديه منها أربعة أبناء وثلاث بنات، والزوجة الثانية وهيبة حسن جردي وهي من اللاذقية من جبلة وأنجب منها ابنا واحدا. عاش يوسف ياسين في بيئة غلبت عليها روح مقاومة للاستعمار الأجنبي في سورية، ما جعل أهالي سورية يتربون عليها، وعدم الاستسلام للمستعمر، وظهور كثير من الحركات الثورية، وفي هذا الصدد يتحدث الشيخ يوسف ياسين عن نفسه "التحقت شابا متعلما بالحركة الوطنية منذ نعومة أظفاري، بهدف تثوير الجماهير العربية والدفاع عن مصالحها والافتخار بحضارتها ولغتها وآدابها، وتحقيق وحدتها، طبقا لما نادى به الدين الحنيف، الإسلام". ونشأ يوسف ياسين نشأة دينية على يد والديه، اللذين كان لهما أبلغ الأثر في تكوين شخصيته الدينية التي انعكست آثارها على شخصيته السياسية التي امتزجت بالروح القومية في تلك الفترة، وبدأ حياته التعليمية في مدرسة المسجد المجاور المسمى بجامع البازار، وقد أظهر يوسف منذ مرحلة مبكرة شغفه بالعلوم والمعارف وحفظ القرآن عن ظهر قلب ودرس أصول الفقه على يد الشيخ حسن رضوان خريج الأزهر الشريف، فتعلم الصرف والنحو والتجويد لمدة عشر سنوات، وسرعان ما انتقل إلى القاهرة لمواصلة دراسته في الأزهر، لكنه لم يتمكن من متابعة الدراسة فيه، وانتقل إلى مدرسة الشيخ محمد رشيد رضا دار الدعوة عام 1330هـ/1912. أسهمت هذه المدرسة في توسيع المدارك الإسلامية ليوسف ياسين، وبقي فيها سنتان ثم قامت الحرب العالمية الأولى 1332هـ/ 1914 وأغلقت "دار الدعوة" على أن أبرز تأثير لهذه المدرسة في فكر ورؤى الشيخ يوسف ياسين هو: تعريفه بشخصية الملك عبدالعزيز الدينية والاتجاه الديني السائد في منطقة نجد، وخلاصة ما يمكن قوله إن يوسف ياسين تشكل لديه الحس القومي العربي المعتمد على الدين الصحيح. إن العقيدة الدينية الصحيحة لدى يوسف ياسين جعلته مدركا أن الطريق الأمثل لمواجهة الاستعمار هو تعزيز القومية العربية بالإسلام، في الوقت الذي زادت فيه مقاومة العرب للنفوذ الأجنبي في مطلع القرن العشرين ووضع نهاية للوجود الغربي، وقد كانت هذه الفكرة بمنزلة القاعدة الرئيسة لجميع أعمال يوسف ياسين في حياته، وأحد أسباب التحاقه بالملك عبدالعزيز.

النادي العربي
أخذ يوسف يقوم بنشاطاته التي كانت تعتمد على قيام وحدة عربية ضد الأتراك في اللاذقية من خلال تأسيس ناد عربي في القدس مع أصدقائه الحاج محمد أمين الحسيني وإسحاق درويش، وعبداللطيف الحسيني، وأعضاء آخرين أطلقوا على ذلك النادي اسم "النادي العربي" وكان هدفه توحيد السياسات ومنهجتها في سبيل الوقوف في وجه المستعمر، كما تمكن من افتتاح مدرسة "روضة المعارف"، وتعتبر شعلة الفكرة العربية في مدينة القدس قبل الحرب، لكنها أغلقت بعد الحرب، وأخذ يخطب الجمعة، ويذكر فيها أخبار الثورة العربية وكيف نشأت والأعمال التي قام بها الشريف الحسين ضد الأتراك، ما يعني أن يوسف ياسين كان من المروجين للثورة العربية التي قادها الحسين ضد الأتراك، ولعل يوسف كان يرى فيها وحدة العرب، بغض النظر عن أهداف هذه الثورة الحقيقية سواء للشريف أو الإنجليز. مع تبني أفكار الثورة العربية التحق الشريف يوسف ياسين بالشريف حسين، وعاصر معه ومع أبنائه عدة أحداث عسكرية، منها ثورة حوران، والواقع أنه جعل من الحجاز طريقا له للوصول إلى نجد، فقد كان يفكر في تقريب وجهات النظر بين الشريف حسين والملك عبدالعزيز لتحقيق الرفعة للعرب، وحاول ذلك بالفعل لكن الفكرة قوبلت بالرفض من الشريف. ولم تنجح مساعي يوسف ياسين مع الشريف حسين في سبيل تحقيق أهدافه السياسية، ورجع إلى اللاذقية عام 1921 وبدأت فكرة الاتصال مع الملك عبدالعزيز تأخذ مسارها الفعلي لديه، فقد كان سعيه للوصول إلى الملك عبدالعزيز نتيجة الالتقاء الفكري، وإعجابه بمشروع الملك عبدالعزيز، فمن المعروف كما تذكر المصادر أن الملك عبدالعزيز كان محبا وشغوفا بالعلم، وكان مناهضا للعدوان الغربي على البلاد العربية ومناصرا بقوة لقضية فلسطين. إن التكوين العقدي الصحيح لدى ياسين والعقيدة الخالية من الخرافات والبدع ونشأته في بيئة دينية صحيحة وعلى يد علماء كثيرا ما اتخذوا من علماء نجد والبيئة الدينية في نجد مضرب أمثال لهم عامل آخر يمكن إضافته أيضا، هو وجود عوامل جذب لدى الملك عبدالعزيز، تمثلت في شخصيته الدينية السياسية المتزنة، فقد رأى فيه ياسين الشخصية العربية القادرة على الحفاظ على وحدة العرب في ظل الظروف الصعبة، وخيبة أمله في بعض الحكام الآخرين، وكون ياسين قد عاصر الاستعمار الأجنبي والعلاقات مع القوى عندما كان في الحجاز والأردن، ورأى كيف تدار هذه العلاقات، وسمع عن علاقات الملك عبدالعزيز السياسية بالقوى الخارجية، ورأى فيه شخصية دبلوماسية لا ترضى احتلال أراضيها قط، كون الأراضي النجدية أرضا لم يدنسها الاستعمار ولم تحتل، فقد كانت بنزلة الهدف ليوسف ياسين الذي من خلاله يستطيع تحقيق شيء من الحرية وممارستها في ظل حكومة عادلة وقوية. الشخصية الإصلاحية ليوسف ياسين جعلته في عملية بحث دائمة عن قوة يمارس من خلالها هدفه القومي من تقوية العرب، ووجد مطلبه في شخصية الملك عبدالعزيز.

دوره ومهامه
التحق يوسف ياسين بالملك عبدالعزيز عام 1924 وشهد معه تسلم جدة عام 1925 وشارك يوسف ياسين مع حزمة من المستشارين إدارة جدة بعد التسلم، وبدأت مهام وأدوار يوسف ياسين تصبح أكثر وضوحا، حيث تدرج في عدد من الوظائف في الدولة تميزت بالتنوع، إلا أن الغالب عليها ما يتعلق بالشؤون السياسية الخارجية وهذه الوظائف على النحو التالي:
ـــ مدير صحيفة "أم القرى" 1343هـ ـــ 1924/1347هـ ـــ 1928.
ـــ مدير المطبوعات والمخابرات 1345هـ ـــ 1926/1347هـ ـــ 1928.
ـــ سكرتير خاص للملك عبدالعزيز 1347هـ ـــ 1928.
ـــ رئيس الشعبة السياسية 1349هـ ـــ 1930.
ـــ وزير دولة 1364هـ ـــ 1944.
إضافة إلى المناصب التي تولاها يوسف ياسين، وبحكم طبيعة عمله في الخارجية وملازمته للملك عبدالعزيز وعضويته في مجلس المستشارين العرب، كانت له جهود واضحة على صعيد عديد من القضايا السياسية التي واجهت الملك عبدالعزيز في بداية نشأة دولته، ومن الطبيعي أن تكون تلك القضايا متنوعة، فبعضها تعديلات على المعاهدات التي تخص الدولة وبريطانيا مثل معاهدة جدة أو القضايا الحدودية ومؤتمرات الصلح، وبالاطلاع على ظروف ذلك الوقت الذي شهد بداية ظهور بواكير النفط في أطراف الجزيرة العربية وتكالب بعض الدول الاستعمارية أمثال إنجلترا، وإيطاليا، كان من الواجب أن يكون لدى الملك عبدالعزيز رجال متمرسون في إبرام المحادثات والاتفاقيات مع الدول الغربية، ومطلعون على الأحوال العربية حتى تنجح ترسيمات الحدود، فكان يوسف ياسين من هؤلاء الرجال الذين لهم جهود في بلاط الملك عبدالعزيز، وكان من اللقاءات المهمة التي حضرها لقاء الملك عبدالعزيز مع الرئيس روزفلت وانبثاق فجر جديد لعلاقات سعودية أمريكية، إضافة إلى الدور الدبلوماسي الذي قام به يوسف ياسين في المفاوضات البريطانية من خلال عدة أحداث مرت على علاقة المملكة بالدول المجاورة، أو بقوى أخرى.
ضم الكتاب عديدا من الوثائق التي تنشر لأول مرة، ومجموعة من الصور النادرة، كما اعتمدت المؤلفة على التسجيلات الصوتية ليوسف ياسين ومذكراته، ما أثرى البحث بمعلومات قيمة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق