المشراق

كيف دخل الغاز إلى مدينة الرياض؟

كان سكان مدينة الرياض كغيرهم يعتمدون على الحطب في الطبخ قديما قبل مجيء الغاز، وهي معاناة يعرفها كل من جرب الطبخ بالحطب ولو لمرة واحدة، فما بالك وهذا ديدنهم سنوات طوال. وفي عام 1375هـ/ 1955 رأى فهد الفيصل الغاز يخرج من آبار البترول في الظهران، فتحرقه شركة أرامكو، ويظل اللهب مشتعلا طيلة الوقت، فأخذ يفكر الوهلة تلو الأخرى، وكانت هذه الوهلات واللحظات هي سر دخول الغاز إلى كل بيت في مدينة الرياض. هذه المقالة تتحدث عن قصة دخول الغاز إلى الرياض، وإنشاء شركة الغاز والتصنيع.

شركة الغاز والتصنيع
من أول الأخبار عن شركة الغاز والتصنيع ما نشرته صحيفة "اليمامة" بتاريخ 18 ذي القعدة 1376هـ عنها وهي في طورها الأول قبل تأسيسها، حينما كان الأمير فهد الفيصل الفرحان آل سعود يدرس المشروع ويخطط له. تقول الصحيفة: "لقد كان من أثر تفكير الأمير فهد الفيصل، أمين مدينة الرياض، فيما تقاسيه المدينة من جراء قلة الوقود، وبسبب عدم توافر الكهرباء فيها، أن أدرك أنه لا بد من السعي لإيجاد وسيلة للقضاء على ما تعانيه البلاد من نقص في هذه الناحية، فرأى أن من خير الوسائل، إن لم تكن الوسيلة الوحيدة، الاستفادة من الغاز الموجود بكميات عظيمة في مناطق استخراج الزيت، فقام الأمير فهد الفيصل بدراسات واسعة للمشروع من مختلف نواحيه، حتى اتضح أنه إذا تم تحقيقه فإن مدينة الرياض لن تحصل على ما يسد حاجتها من ناحية الوقود فحسب، بل سيتحقق لها من وراء ذلك مشروع حيوي ينظمها في عداد المدن الصناعية، فيرتفع مستوى المعيشة بين سكانها". وتمضي الصحيفة في الحديث فتذكر أن فهد الفيصل قطع شوطا في سبيل إبراز المشروع إلى حيّز الوجود، فقد استشار الفنيين، واتصل بشركة الزيت العربية الأمريكية، وبحث معها سبل تحقيق المشروع، كما اتصل بشركات عالمية أوروبية وأمريكية وهندية ويابانية. ويستمر الكاتب، الذي جالس فهد الفيصل وسمع منه، في سرد المعلومات حول المشروع وأهميته. ونستشف مما كُتب أن فكرة هذه الشركة تبلورت في ذهن فهد الفيصل عام 1376هـ، أو قبلها بقليل. وفي 13 المحرم 1377هـ نشرت صحيفة "أم القرى" نقلا عن نشرة المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر، عن أمانة الرياض أن الأمانة درست مشروع نقل الغاز الجاف من منطقة الغوار في المنطقة الشرقية إلى مدينة الرياض، وأنها اتصلت بعدة شركات عالمية فأرسلت مهندسين وكيماويين، فعاينوا المشروع من الغوار إلى الرياض، وأن الأمانة ناقشت شركة أرامكو للحصول على البيانات اللازمة لهذا المشروع. كما يورد الخبر تفاصيل أخرى حول المشروع. وفي الثالث من شعبان 1377هـ نشرت جريدة "أم القرى" أن مشاريع شركة الغاز والتصنيع السعودية تدخل طور التنفيذ، وذكرت أن الشركة وقعت مع شركة سنام بروجيتي الإيطالية لتوريد وتركيب الأجهزة اللازمة خلال ثلاثة أشهر من تاريخه، وأوردت الصحيفة بيانا بالأجهزة. وفي الثاني من صفر 1378هـ نشرت صحيفة "اليمامة" أن الأمير فهد الفيصل "يبذل نشاطا كبيرا في إبراز مشروع الغاز والتصنيع إلى حيز الوجود، فقد قام الأمير باتصالات عديدة مع جهات الاختصاص من دوائر حكومية، وشركات، ومساهمين، كما عقد الأمير فهد الفيصل عدة اجتماعات في الأسبوع الماضي مع أعضاء مجلس إدارة هذا المشروع للبدء في تنفيذه، وقد علمنا من بين الموضوعات التي تم إنجازها في هذا السبيل فتح اعتمادات مالية لإحدى الشركات لتوريد الأجهزة والآلات والمعدات اللازمة لنقل الغاز بصفة مؤقتة بواسطة القطار إلى الرياض، ريثما يتم موضوع جلب الغاز بواسطة الأنابيب. كما تم إعداد المكاتب اللازمة لإدارة هذا المشروع وتهيئتها، كما علمنا أن شخصيات كبيرة تجارية قد سارعت إلى الإسهام فيه. وإننا لنأمل أن نرى مدينة الرياض وقد تمتعت بهذا المشروع الحيوي النافع، معبرين عن بالغ شكر المواطنين لما يقوم به الأمير فهد الفيصل الأمين من أعمال نافعة". من هذا الخبر نعرف متى بدأت هذه الشركة. ونشرت "اليمامة" بعد ذلك خبرا تفصيليا جاء فيه أن شركة الغاز والتصنيع السعودية فكرة فهد الفيصل، وأنه بذل جهودا كبيرة من أجل تحقيقها، وأنه رفض أن تكون له أي حصة من الأسهم، ورفض أن يتقاضى أي أجر أو ربح في هذا العمل. يقول الخبر: "ثمرة فكرة انبثقت من رغبة وتصميم لخدمة مدينة الرياض وضواحيها، بحسب أوامر وتوجيهات جلالة الملك المفدى، صاحبها الأمير فهد الفيصل أمين مدينة الرياض، تبناها ونماها وعمل لها دائبا حريصا على تحقيق غاياتها وأهدافها التي منها، استغلال ثروة البلاد وتشجيع الصناعة للاكتفاء الذاتي وتنشيط حركة العمران ونقل وتوزيع الغاز ومشتقاته وتموين المصانع ومحطات الكهرباء، وخدمة الجمهور. وستكون بشرى سارة ينعم منها المستهلكون بأسعار رخيصة للغاية والمساهمون بربح أكيد وفير. وقد استدعى الأمير الخبراء من شركات عالمية لمعاينة الغاز وتحليله كيمائيا ودراسة أحوال الطبيعة ووضع المواصفات، فلما اكتمل البحث الفني وانتهت الدراسة الصحيحة المبنية على أساس متين سليم بعد انقضاء سنتي جد ونشاط. وكانت الشركة موضع عناية وعطف صاحب الجلالة وولي عهده وكان الأمر الملكي الكريم يقضي باعتبار عمل الشركة في مقدمة الأعمال الصناعية المفيدة للبلاد، وبإعطائها حاجتها من الغاز الموجود في أقرب حقل إلى منطقة الرياض بقيمة اسمية معقولة تنفق مع المصلحة الوطنية وبإعطائها حصة الحكومة في هذا الغاز مجانا وبإعفائها من الجمارك، زاد ذلك في همة وعزم القائمين عليها على السير قدما. ثم طرح المشروع على كثير من الشركات العربية والإيطالية والأمريكية والألمانية والإنجليزية وغيرها، فاختير أفضلها، فطلبت موادها ومعداتها ولوازمها، وقد وصل القسم الأكبر منها كما بوشر في بناء المحطة الأولى في الرياض. وقد ارتأت أمانة مدينة الرياض جعل المشروع شركة مساهمة واحتفظت بـ 50 في المائة من رأس المال وطرح الباقي للمساهمين السعوديين أسهما عادية دون تحديد أو تمييز فبلغ من إقبال الأهالي أن أسهمهم الآن تزيد على 110 آلاف سهم بواقع 100 ريال للسهم الواحد. وهذا دليل منهم على تقديرهم وعلمهم بفوائد هذا المشروع الاقتصادي المثمر. وجاءت الخطوة التالية فتألف مجلس إدارة الشركة برئاسة الأمير فهد الفيصل، بصفته يمثل أمانة مدينة الرياض التي تمتلك 50 في المائة من أسهم الشركة، وعدد من الأعضاء المواطنين، كلهم راغبون مخلصون في عملهم المتواصل وتنفيذهم السريع بغية إخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود في وقت قصير، وتجدر الإشارة إلى أن الأمير فهد الفيصل رغب في التخلي عن امتلاك أي سهم باسمه شخصيا وكذلك عن أي حصة في الأرباح والأتعاب بغية إفساح المجال للأهالي والمساهمين. إن أعمال الأمير مشكورة مبرورة أكثر الله من أمثاله "والله لا يضيع أجر من أحسن عملا". وفي يوم الأحد 27 شعبان 1380هـ افتتح الملك سعود شركة الغاز والتصنيع السعودية، وكان فهد الفيصل في مقدمة مستقبليه. على أن الشركة بدأت بتسويق الغاز قبل الافتتاح بسنة على الأقل، إذ نشر أحد المواطنين في شعبان من عام 1379هـ شكوى من اختلاف سعر الغاز بين البائعين، كما نشرت الشركة إعلانا في المحرم من عام 1380هـ أنها بدأت توزيع الغاز، والبوتاغاز.
زار الدكتور أحمد زكي، رئيس تحرير مجلة "العربي" الكويتية، الرياض في رجب من عام 1379هـ، ثم نشر مقالة مطولة عن مدينة الرياض، وذكر فيها أنه زار البلدية وقابل الأمير فهد الفيصل، يقول: "وتلطف فخرج معنا إلى ظاهر المدينة نزور مصنعا يأتيه غاز البوتا من الظهران بالسكة الحديد مضغوطا سائلا في صهاريج، ثم يعاد ضغطه في أنابيب صغيرة تحمل إلى منازل المدينة، فهو وقودها".
كانت شركة الغاز الأهلية، التي يرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال الشهير سليمان العليان، قد سبقت شركة الغاز والتصنيع، والأولى مقرها في المنطقة الشرقية، أما الثانية ففي الرياض. ونشر فهد الفيصل بصفته رئيس مجلس إدارة شركة الغاز والتصنيع السعودية المحدودة بيانا في بعض الصحف ذكر فيه أن شركة الغاز والتصنيع حصلت على الامتياز "الذي يخولها وحدها حصر المتاجرة بالغاز وتوزيعه في أنحاء المملكة كافة، وقد سبقتنا في هذا المضمار شركة الغاز الأهلية، وقامت بأعمالها في حدود إمكانياتها". ثم ذكر أن مجلس الإدارة اجتمع بتاريخ السادس من جمادى الآخرة 1379هـ وقرر موافقته على اندماج الشركة مع شركة الغاز الأهلية، ودعا مساهمي الشركة الأخرى للموافقة على الاندماج، على أن يستقيل مجلس إدارة الشركتين، وينتخب مجلس إدارة جديدا. وفي 20 المحرم 1380هـ انعقدت الجمعية العمومية لشركة الغاز والتصنيع، ووافقت بالإجماع على اندماج الشركتين، وعلى قبول استقالة مجلس إدارتها. وقد اندمجت الشركتان عام 1383هـ تحت مسمى شركة الغاز والتصنيع الأهلية.
ويذكر فهد الفيصل في مذكراته الصوتية كيف نشأت فكرة هذه الشركة، بعد أن لاحظ أنه كان يخرج من آبار البترول في الظهران غاز، فتحرقه شركة أرامكو، ويظل اللهب مشتعلا طيلة الوقت، ففكر في جلب الغاز من هناك إلى الرياض عبر أنابيب، ومن ثم توزيعه على البيوت في الرياض عبر مواسير، ويركب في كل بيت عداد يحسب كمية استهلاكه، واستقدم شركات لدراسة الفكرة، إلا أن المديرية العامة لشؤون البترول والمعادن اعترضت معتذرة بعدم وجود خبراء لدى أمانة مدينة الرياض، فطلب منهم أن يبعثوا الخبراء من عندهم، إلا أنهم أصروا على الرفض بشدة، وأيدهم ولي العهد الأمير فيصل، وعندها صرف فهد الفيصل النظر عن هذه الفكرة، وتوجه إلى فكرة الغاز السائل، وأسس شركة الغاز والتصنيع، وفتحها للمساهمة بعد أن أخذ مرسوما ملكيا بتأسيسها. ثم اشتروا ناقلات للغاز وسلمها لسكة الحديد حتى تقوم بنقل الغاز عبر القطار إلى الرياض، ووضع مصنع تعبئة الاسطوانات قريبا من سكة الحديد. ويذكر أن الناس لم يقبلوا على الغاز في البداية لعدم معرفتهم به، وحتى يقنعهم بجدواه اشترى أسطوانات صغيرة من مصنع في إيطاليا، ودوافير ثم قاموا بتوزيعها على بعض الأمراء والمسؤولين والأعيان حتى يجربوا ويروا بأعينهم جدوى الغاز، وقاموا بحملة دعاية، فانتشر استعمال الغاز بعدها. كما يذكر أن الغاز السائل كان يستعمل في الطبخ في المنطقة الشرقية عند شركة أرامكو، وكان المسؤول عن توزيعه سليمان العليان، الذي كان موظفا في "أرامكو"، أما في الرياض فكان الناس يعتمدون على الحطب في الطبخ، أو الغاز الأبيض. ويؤيد كلامه حول انتشار الغاز ما نشرته جريدة "القصيم" في رمضان 1383هـ من أن المواطنين "يحاصرون محال توزيع الغاز ليلا ونهارا"، وتشتكي الصحيفة من سوء توزيعه.

سلفة من "أرامكو"
يقول فهد الفيصل إنه لم يكن لديه رأسمال لتأسيس شركة الغاز والتصنيع، فطلب من شركة أرامكو سلفة بعشرة ملايين دولار، وشرح الفكرة للملك سعود، وطلب شفاعته، فشفع له عند "أرامكو"، فوافقوا وقدموا لفهد الفيصل المبلغ الذي طلبه. ويضيف أن سعر الدولار حينها كان يعادل أربعة ريالات ونصف الريـال، وكان الدولار نادرا في ذلك الوقت، فجاء بعض التجار كالراجحي وغيره يريدون شراء الدولارات منه، وعرضوا عليه أربعة ريالات ونصف الريـال مقابل الدولار، فرفض، وزادوها إلى خمسة ورفض، ثم زادوها إلى ستة ريالات فوافق، وأعطى كل تاجر منهم مليون دولار، وأخذ مقابله ستة ملايين ريـال.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق