أخبار اقتصادية- عالمية

الحمائية والاقتصاد الرقمي يشحنان أجواء اجتماعات وزراء مالية «العشرين»

كان من الممكن أن يمر اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في العاصمة الأرجينتينية بيونس آيرس مرور الكرام، وأن يحظى في أفضل التقديرات بخبر مقتضب في الصفحات الداخلية للصحافة الدولية ووسائل الإعلام المتخصصة في الاقتصاد وعالم المال.
إلا أن هذا الاجتماع وبسبب انعقاده في أوقات يشهد فيها الاقتصاد العالمي جدلا شديدا، نتيجة تصاعد أجواء الحمائية، وما تحمله معها من إمكانية اندلاع حرب تجارية عالمية، وما يثار حول العملات الرقمية من نقاشات وتباين في الآراء سواء بين المختصين أو الدول، ومدى الفائدة التي يمكن أن تحيق بالاقتصادات المختلفة من فرض ضرائب على أعمال وأرباح شركات الاقتصاد الرقمي مثل "جوجل" و"أمازون" وغيرها، وكل ذلك جعل من الاجتماع واحدا من أهم اجتماعات وزراء مالية أغنى عشرين دولة حول العالم.
وإذا كانت أجواء الحمائية الاقتصادية التي فجرتها الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية على واردات الصلب والألمنيوم أخيرا قد "سممت" إلى حد ما أجواء الاجتماع، حيث بدت اعتراضات بعض وزراء المالية على القرار الأمريكي واضحة وصريحة، إلا أنه من الواضح أيضا أن الجميع اكتفى بالإعراب عن موقفه عبر التصريحات الإعلامية وفي المناقشات الداخلية، دون أن تترجم تلك الانتقادات لموقف رسمي معلن وصريح.
ويقول لـ "الاقتصادية"، بي. جي. سيمون المحلل الاقتصادي، إن "عدم بلورة التيار الرافض للحمائية التجارية، موقفه بشكل رسمي، والاكتفاء بخطوط عامة في البيان الختامي تعتبر أن التجارة والاستثمار محركان للنمو، يعود إلى الخوف أو الرغبة في تجنب حرب تجارية مع الولايات المتحدة، ويعتقد كثير من الخبراء أن الجميع بما فيهم واشنطن سيخرج خاسرا من هذه المعركة، ولكن نظرا لقوة الاقتصاد الأمريكي فإن خسائره ستكون الأقل".
إلا أن كارولين هايدي الباحثة الاقتصادية تعتقد أن الهجوم الذي تعرض له ستيفن منوشين وزير الخزانة الأمريكي خلال اجتماعات المجموعة، لم يكن أكثر من انتقادات جوفاء تستهدف إرضاء الرأي العام في البلدان التي تقول إنها تضررت من الإجراءات الأمريكية.
وتضيف لـ "الاقتصادية"، أن هناك عديدا من الدلائل تشير إلى أن بعض الدول المشاركة في الاجتماعات سعت إلى التحايل على حواجز الاستيراد في الولايات المتحدة من خلال تأمين إعفاءات من الرسوم الأمريكية، وأدرك الجانب الأمريكي أنه لا توجد في الحقيقة قدرة لدى المعترضين على تبني مواقف أو إجراءات موحدة ضد واشنطن. وأوروبا التي تصدر منها أكثر الأصوات انتقادا لسياسات ترمب الاقتصادية، تعلم تماما أن الإدارة الأمريكية تضغط عليها على أمل انضمامها إلى رؤيتها وتبني سياسات تجارية معادية للصين، وإذا حدث هذا فإن إدارة ترمب ستخفف الرسوم الجمركية على الأوروبيين، فالاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا لديهم فرصة للفوز بإعفاءات جمركية أمريكية، أما روسيا والصين فمستبعد إعفاؤهما".
ومع هذا، يعتقد بعض الخبراء أن الاجتماعات المستقبلية للمجموعة، ربما تشهد أجواء أكثر توترا واحتقانا بين الدول الأعضاء، إذا واصلت الإدارة الأمريكية اتخاذ مواقف يعتبرها البعض معيقة للتجارة الحرة.
وعلى الرغم من أنه لا توجد حتى الآن عوامل تشكك في قدرة الاقتصاد العالمي على تحقيق معدلات النمو المتوقعة وتراوح بين 3.1 و3.9 في المائة، إلا أن هذا المعدل قد يصبح محل شك، إذا أخذت الصراعات التجارية العالمية منحنيات أكثر تشنجا، وباتت الحمائية التجارية القوة المهيمنة في العالم.
ولم يكن من الممكن لجدول أعمال الاجتماع أن ينحصر في بند الحمائية الاقتصادية، ومخاوف الحرب التجارية فقط، على الرغم من خطورتها وأهميتها، فالجدل الدولي بشأن العملات المشفرة وتأثيرها في الاقتصاد الدولي طرح نفسه وبقوة على جدول الأعمال أيضا.
وفي الحقيقة فإن فرنسا كانت الدولة السباقة بشأن ضرورة طرح تلك القضية خلال اجتماعات وزراء مالية المجموعة، ففي أواخر العام الماضي، عندما كان الاهتمام بالعملات المشفرة وتحديدا البيتكوين وسعرها في ذروته، اقترح وزير المالية الفرنسي أن يكون هناك نقاش عام حول العملات الرقمية خلال اجتماعات المجموعة.
وتكشف المداولات التي جرت خلال اجتماع بيونيس آيرس، والنتائج المعلنة أنه تم تحديد شهر تموز (يوليو) موعدا نهائيا لتقديم توصيات للدول الأعضاء، حول كيفية تنظيم التعامل مع العملات الرقمية.
وفي الواقع، فإن مجلس الاستقرار المالي الذي ينسق التنظيم المالي لمجموعة العشرين، قد قاوم دعوة بعض الأعضاء بمناقشة تنظيم عمليات التشفير الخاصة بالعملات الرقمية خلال اجتماع بيونيس آيرس، وحظى هذا الموقف بدعم العديد من الدول الأعضاء من منطلق الحاجة إلى مزيد من التدقيق بشأن العملات الافتراضية، وأنه يلزم المزيد من المعلومات قبل اقتراح أي لوائح تنظيمية.
ورغم أن بعض الخبراء في مجال العملات الرقمية أعربوا عن ترحيبهم بقرار وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين، إلا أن ذلك لم يمنع من طرح تساؤلات قد تجعل من موعد تموز (يوليو) المقبل في حاجة إلى بعض التأجيل.
ويوضح لـ "الاقتصادية"، هلم هاينز المحلل المالي وأحد المضاربين على العملات الرقمية أنه "من الجيد جدا للمضاربين على العملات الرقمية أن يكون هناك توصيات محددة وملموسة من قبل المجموعة، ولكن ما هي البيانات التي تحتاج إليها المجموعة لتصل لتلك التوصيات؟ إن توفير تلك البيانات ناهيك عن الاتفاق على التوصيات سيتطلب وقتا أطول مما حددته المجموعة، كما أن هناك مخاوف لدى المقتنعين بأن العملات الرقمية هي عملات المستقبل من هيمنة اتجاه يرفض تداول تلك العملات، وذلك من قبل بعض الدول الفاعلة في مجموعة العشرين، بدعوى أن العملات الرقمية تفتقر إلى السمات الرئيسية للعملات السيادية، ومن ثم سيكون لها أثر سلبي في الاستقرار المالي في مرحلة ما".
لكن من الواضح أن أسواق العملات الرقمية تنظر بإيجابية إلى الكيفية التي تعاطى بها وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية للمجموعة مع هذا العالم، خاصة بعد تصريحات محافظ البنك المركزي الإيطالي في أعقاب اختتام الاجتماع بأن العملات الرقمية تشكل مخاطر لكن لا ينبغي حظرها بالكامل، ولاحقا تعافت أسعار البيتكوين وتجاوزت 9 آلاف دولار، لتكون تلك المرة الأولى التي يرتفع فيها سعر البيتكوين بنحو 4.5 في المائة خلال هذا الأسبوع. وتعد قضية وضع نظام ضريبي عالمي وعادل وفعال، واحدة من القضايا الرئيسية الدائمة، على أجندة أعمال اجتماعات وقمم مجموعة العشرين، لكن السنوات الأخيرة شهدت بروزا متعاظما لجدل ضريبي بشأن ضرورة فرض ضرائب على الشركات العاملة في مجال الاقتصاد الرقمي مثل "أمازون" و"جوجل".
وخلال القمة احتلت تلك القضية مساحة كبيرة من المناقشات، في ضوء تباين المواقف بشأن تقييم الفائدة الاقتصادية التي يمكن أن تحققها الدول من فرض الضرائب على أعمال وأرباح تلك الشركات.
ودعا وزير المالية الأسترالي إلى ضرورة العمل السريع من أجل التوصل إلى تفاهم في هذا المجال، خاصة أن أنظمة الضرائب الحالية لم تبن من أجل الاقتصاد "الجديد".
وبينما ترى بعد البلدان وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أن فرض ضريبة خاصة على شركة الاقتصاد الرقمي، التي تلعب دورا رئيسيا في رفع معدلات النمو في الاقتصاد الأمريكي، أمرا سيكون له تأثير سلبي في معدلات الأرباح ومن ثم على النمو والتوظيف، يرى كثير من البلدان الأوروبية الأمر من منظور مختلف.
ويرى إيلسون ديف الخبير الضريبي أن " هناك تباينا رئيسيا في المفاهيم الضريبية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فبينما يركز النظام الضريبي الأمريكي على الضرائب كوسيلة نمو أساسية، فإن النظام الأوروبي يركز عليها كوسيلة لتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية، فالبيئة الاقتصادية الخالية من الضرائب بالنسبة إلى أوروبا تعد هراء". ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "القضية الأكثر تعقيدا تتركز مجال الاقتصاد الرقمي، إذ لا بد من معرفة تأثير الضرائب في ذلك القطاع في مناطق وقطاعات أخرى في النظام الضريبي، ولهذا فإن الاتجاه العام حاليا يدعو لمنح النقاش في تلك القضية مزيدا من الوقت، على أمل التوصل إلى إطار شامل يرضي جميع الأطراف بحلول عام 2020".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية